تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومهما يكن من الأمر فقد ازدهرت صناعة التصوير في إيران، وكان ميدانها في البداية توضيح كتب التاريخ ودواوين الشعر والقصص بالصور الصغيرة ذات الألوان الزاهية الجميلة. وعلى الرغم من أن هذه الصور لا تختلف الواحدة منها عن الأخرى اختلافا ملحوظا؛ فإن الأخصائيين في الفنون الإسلامية وذوي الثقافة الفنية يستطيعون تمييز بعضها من بعض ويقسمونها إلى طرز أو مدارس لكل منها مميزاتها. وقد امتازت العصور الثلاثة الكبرى في تاريخ إيران بثلاث مدارس كبرى في التصوير؛ فقامت المدرسة المغولية أو التترية في القرنين السابع والثامن بعد الهجرة (الثالث عشر والرابع عشر بعد الميلاد)، وقامت المدارس التيمورية - ولا سيما مدرسة هراة - في القرنين الثامن والتاسع (الرابع عشر والخامس عشر بعد الميلاد)، وقامت المدرسة الصفوية في القرنين العاشر والحادي عشر بعد الهجرة (السادس عشر والسابع عشر بعد الميلاد). وأما بعد ذلك فقد كان الفنانون يقلدون الصور القديمة تقليدا ينم في معظم الأحيان عن بعض العجز والتأخر. كما تأثر كثيرون منهم ببعض الأساليب الفنية الغربية في التصوير، ولا سيما بعد أن أرسل الشاه عباس الثاني 1502-1077ه/1642-1667م بعض البعثات العلمية لتلقي الفن في إيطاليا وبعض البلدان الأوروبية الأخرى. (3) مدرسة العراق أو المدرسة السلجوقية

وقد عرفنا في التصوير الإسلامي مدرسة أخرى تنسب إلى العراق أو بغداد في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، ولكنها كانت عربية أكثر منها إيرانية؛ فالأشخاص فيها عليهم مسحة سامية ظاهرة، والأسلوب الفني مأخوذ - إلى حد كبير - عن الصور في مخطوطات المسيحيين من أتباع الكنيسة الشرقية.

ولا شك في أن إيران كانت فيها مدرسة فنية معاصرة لمدرسة بغداد، وتشبهها أيضا في رسم الأشخاص بالألوان الزاهية والملابس المزركشة والسحنة الهادئة رسما تبدو فيه البساطة مع قوة التعبير. وكانت الصور في هذا العصر ترسم على الصفحة نفسها في معظم الأحيان، بينما أصبح الشائع في العصور التالية أن ترسم الصورة على حدة، ثم تلصق في الفراغ المعد لها بين صفحات الكتاب.

وربما كان الأفضل أن نطلق اسم «المدرسة السلجوقية» على هذه الصور التي ننسبها إلى العراق أو بغداد؛ فالواقع أن مركز إنتاجها لم يكن في بغداد أو العراق فحسب، ولكنه كان - على كل حال - في أملاك السلاجقة المترامية الأطراف، وكان المصورون - سواء أكانوا عربا أم إيرانيين - يشتغلون للطبقة الحاكمة والأمراء السلاجقة.

ولعل أكبر دليل على العلاقة الوثيقة بين هذه الصور السلجوقية وإيران أن رسومها تشبه الرسوم الموجودة على الخزف الإيراني المعروف باسم «مينائي» والذي كانت مدينة الري أعظم مراكز صناعته.

وفضلا عن ذلك فإن ثمة بعض مخطوطات من هذه المدرسة السلجوقية، لا يمكن التردد في نسبتها إلى إيران؛ فإن لغتها إيرانية ورسومها تمتاز عن سائر الصور السلجوقية، ولا سيما أن الصور في هذه المخطوطات الإيرانية ليست مرسومة على الصفحات وبدون أي «أرضية»، وإنما تفصلها عن المتن أرضية ذات لون واحد يغلب أن يكون الأحمر.

13

ومعظم هذه المخطوطات ترجع إلى النصف الأول من القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي).

وطبيعي أن نجد مخطوطات إيرانية من نهاية القرن السابع الهجري، يمكن اعتبارها حلقة الاتصال بين الأساليب الفنية في المدرسة السلجوقية وفي المدرسة الإيرانية المغولية التي خلفتها. ومن أعظم هذه المخطوطات شأنا كتاب «منافع الحيوان» لابن بختيشوع في مكتبة بيربنت مورجان

Pierpont Morgan ، وقد كتب في مراغة للسلطان غازان خان سنة 699ه/1299م. (4) المدرسة الإيرانية المغولية

أما أولى مدارس التصوير الإيرانية الحقة فهي المدرسة الإيرانية المغولية، وقد كانت أعظم المراكز الفنية التي ازدهرت فيها هذه المدرسة تبريز وسلطانية وبغداد؛ فتبريز - في إقليم آذربيجان جنوب غربي بحر قزوين - كانت مقر الأمراء المغول في الصيف، بينما كانت بغداد مقرهم في الشتاء بعد أن استولوا عليها سنة 656ه/1258م، أما سلطانية فمدينة في العراق العجمي، سكنها كثيرون من أمراء المغول. وكانت هناك مراكز فنية أخرى كبخارى وسمرقند، ولكن مجد هاتين المدينتين في التصوير إنما يرجع إلى عصر تيمور وخلفائه.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلاميص ٢٨