ولم يلبث الخزفيون في أصفهان أن اهتدوا إلى طريقة تغنيهم عن عناء الفسيفساء الخزفية وما تتطلبه صناعتها من وقت ونفقات. تلك هي طريقة «هفت رنجي» أي الألوان السبعة، وقد استطاعوا بوساطتها جمع سبعة ألوان أو أكثر في كل تربيعة واحدة مساحتها نحو قدم مربع؛ فتيسر لهم بذلك استخدام الألوان في مساحات صغيرة جدا، ولم يعودوا ملزمين بالوقوف عند حد الزخارف الهندسية والنباتية، كصناع الفسيفساء الخزفية، بل سهل عليهم تأليف المناظر الآدمية المختلفة. وأقدم النماذج التي نعرفها من هذه الصناعة عثر عليها في مدرسة شاه رخ بمدينة خرجرد، وهي من بداية القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي). وقد ازدهرت الصناعة المذكورة في عصر الشاه عباس. وفي متحف فكتوريا وألبرت بلندن والمتحف المتروبوليتان بنيويورك أجزاء ألواح من هذه الصناعة، يقال إنها مأخوذة من قصر جهل ستون (انظر شكل
18 ). على أن أبدع ما نعرفه من هذا النوع محفوظ في كنائس جلفا
13
بمدينة أصفهان. (3-9) النقوش الحائطية
سوف نتحدث في الصفحات التالية عن حكم الإسلام في التصوير، وحسبنا الآن أن نذكر أن الأمم الإسلامية وبينها إيران، لم تعرف النقوش الحائطية ذات الموضوعات الدينية التي عرفتها الديانات المسيحية والبوذية والمانوية لشرح أصولها وحض أتباعها على السير في طريق الخير.
أما ما عرفته إيران من النقوش الحائطية فكان مقصورا على الموضوعات التي انتشرت في الشرق الأدنى منذ العصور القديمة، ولا سيما تمجيد الملوك والأمراء ، ورسم أعمالهم العظيمة، وحروبهم مع أعدائهم، وما كانوا يأتونه من ضروب الشجاعة والفروسية في صيد الوحوش الضارية، فضلا عن رسوم الحدائق والأشجار، وما كان الصناع ينقشونه في بعض الأحيان من مناظر الحب، وما إلى ذلك من رسوم رجال ونساء في مواقف قد تصل إلى حد كبير من الإباحية.
14
على أن معظم النقوش الحائطية في إيران امتد إليه الخراب والتدمير، فلسنا نعرفه إلا بوساطة ما كتبه عنه الجغرافيون والمؤرخون المسلمون، أو ما يمكن استنباطه من بعض الصور في المخطوطات الإيرانية، أو ما كتبه بعض الرحالة الأوروبيين منذ القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) مثل بيترو دلا فالي
Pietro della Valle
وهربرت
Herbert .
وغني عن البيان أن هذه النقوش الحائطية في العصر الإسلامي تأثرت بالأساليب الفنية في النقوش الحائطية التي رسمت في إيران وأفغانستان وبلاد الجزيرة وجنوبي الروسيا وإقليم التركستان الغربي منذ بداية العصر المسيحي حتى قيام الإسلام.
وقد اختفت النقوش التي كانت تزين جدران قصر السلطان محمود الغزنوي (389-421ه؛ أي 999-1030م) والتي كانت تمثل جيوشه وفيلته، فضلا عن صوره في مناظر الحرب والطرب، وعن صور بعض الوقائع المشهورة في تاريخ الملوك الساسانيين.
على أن القسم الإسلامي من متاحف برلين والمتحف الأهلي في طهران وبعض المجموعات الأثرية الخاصة تفخر بامتلاك بعض قطع من صور حائطية إيرانية ترجع إلى عصر السلاجقة في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي). وتمتاز هذه القطع بأن ما عليها من الرسوم لم تراع فيه قواعد المنظور، وبأنه رتب في أشرطة أفقية، وبأن سحنة الأشخاص المرسومين يبدو فيها التأثر بالأساليب الفنية الصينية والهندية والهلينية والساسانية مجتمعة؛
15
فهي تشبه إلى حد كبير الرسوم الآدمية على الخزف المصنوع في مدينة الري، والذي سيأتي الكلام عليه في الصفحات التالية. وثمة بعض نقوش نباتية وهندسية في بعض المساجد ولا سيما ضريح الجايتو في مدينة سلطانية، وتشبه هذه النقوش الزخارف التي كانت ترسم على الجص في ذلك العصر، ومعظمها رسوم فروع نباتية في جامات (مناطق) ورسوم هندسية تشبه رسوم الفسيفساء الخزفية المعاصرة.