كانت أغلب المآذن الإيرانية أسطوانية، وذات زخارف هندسية في الطوب، أو ذات كسوة من القاشاني، وفي أعلاها ردهة تقوم على دلايات أو مقرنصات وتكسب المئذنة شكل الفنار. وقد أصبح لمعظم المساجد منذ القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) مأذنتان يحفان بالمدخل، وتختفي قاعدة كل منهما خلفه، اللهم إلا في بعض المساجد مثل جوهر شاد، فإنهما ظاهرتان وتزيدان المدخل ضخامة وارتفاعا.
والظاهر أن الإيرانيين اختاروا هذا الضرب من المآذن متأثرين بالأعمدة التي كانت تقام لعبادة الشمس منذ العصور القديمة في الهضبة الإيرانية، وببعض الأبراج الهندية القديمة. ومهما يكن من الأمر فإن هذه المآذن الإيرانية تختلف عن سائر المآذن التي بناها المسلمون في الشام ومصر وشمالي إفريقية في أنها لا طبقات لها ولا نوافذ؛ فالمئذنة الإيرانية بناء شاهق مبني لذاته وليس لتهيأ فيه سلالم تقود إلى ردهات أو دورات يسير فيها المؤذن. وفضلا عن ذلك فإن المنارة الإيرانية الأسطوانية الشكل والشاهقة الارتفاع، قد عم استعمالها في إيران منذ القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، بينما ظلت المآذن في القسم الغربي من العالم الإسلامي موكولة إلى ذوق الأفراد فلم يتقيدوا في أغلب الأحيان بضرب معين منها.
والواقع أن المآذن الإيرانية لم تكن تستخدم في الأذان بسبب ارتفاعها العظيم، وإنما كان المؤذن يؤدي مهمته فوق سطح المسجد، وقد كتب بعض العلماء أن هذه المنارات الأسطوانية الممشوقة يخالها الناظر من بعيد «مدخنات» مصنع من المصانع، وطبيعي أن في هذا التشبيه شيئا من الغلو والمبالغة.
6 (3-5) المقرنصات
7
المقرنصات أو الدلايات حليات معمارية تشبه خلايا النحل، وترى في العمائر مدلاة في طبقات مصفوفة فوق بعضها، وتستعمل للزخرفة المعمارية أو للتدرج من شكل إلى آخر، ولا سيما من السطح المربع إلى سطح دائري تقوم عليه القباب، كما تقوم في بعض الأحيان مقام «الكوابيل» حين تتخذ أسفل دورات المؤذن في المنارات. وأكثر ما استخدمها المعماريون الإيرانيون في وجهات العمائر، ولكنهم وفقوا في جعلها لا تثقل البناء أو تطغى على أصوله. (3-6) الحليات المعمارية المجسمة
سنرى أن المعماريين الإيرانيين في الإسلام اتخذوا الزخارف المسطحة من القاشاني لتزيين عمائرهم. والواقع أنهم تجنبوا الحليات المعمارية المجسمة مما ناءت تحته العمائر الأوروبية والهندية. وقد كان تزيين الجدران بهذه الزخارف المسطحة التي لا ظل لها أكبر عامل في الوضوح والبساطة والهدوء والاتزان، وما إلى ذلك من الصفات التي تتجلى في العمائر الإيرانية فتكسبها الجمال مع الاعتدال. وحسبنا أن نوازن بينها وبين المباني الهندية في العصر الإسلامي لنتبين الفرق الشاسع؛ فإننا نجد جدران العمائر الهندية مثقلة بالزخارف المعمارية البارزة والمجسمة؛ مما يسلب البناء مظهر البساطة، ويكسب هيأته العامة شيئا من التعقيد والاضطراب. (3-7) الزخارف الجصية
أتقن الإيرانيون استخدام الجص في الزخرفة منذ العصر الساساني، كما نرى من الزخارف الجصية التي كشفتها البعثة الألمانية في أطلال المدائن (أكتيسيفون)، والمحفوظة الآن في القسم الإسلامي من متاحف برلين، وكما تشهد بذلك أيضا الزخارف الجصية التي عثر عليها بجوار فرامين، والمحفوظة الآن في متحف بنسلفانيا بالولايات المتحدة.
8
وقد أبدع المعماريون في استخدام الجص في العصر الإسلامي؛ وخير مثال لذلك الزخارف الجصية الدقيقة في عقود جامع نايين ومحرابه، وهو أقدم المساجد الإيرانية التي لا تزال قائمة، ويقع في بقعة هادئة بين مدينتي يزد وأصفهان، وزخارفه الجصية الدقيقة ترجع - كالبناء نفسه - إلى القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وتتكون من رسوم نباتية وهندسية تذكر بالزخارف العباسية التي عثر عليها في أطلال سامرا، ولكنها تمتاز عنها بأفاريز الكتابة الجميلة.