تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والواقع أن الفنانين في الإسلام لم يفتنوا بمنتجاتهم من ناحية الجدة والإبداع، فكانوا في معظم الأحيان لا يكتبون على تلك التحف أسماءهم، ولم يشعروا بلزوم ذلك ولم يفكروا فيه، كأنهم كانوا يعلمون أنهم في الغالب صناع وليسوا فنانين.

ولا ريب في أن هذه الصفة من صفات الفنون الإسلامية غير واضحة لكثيرين من المشتغلين بالفنون، وحسبك أن أحد الزملاء كتب العبارة الآتية في مقال عن «بدائع الفن الإيراني»:

وظاهرة من أهم ظواهر الفن الإيراني وحدة معانيه في جميع نواحي الفنون وفي جميع عصوره التاريخية؛ فالفنون الإيرانية مجموعة لها شخصية متحدة تتلاشى من ورائها شخصية الفنان، وإذا كنا لا نعرف إلا القليلين من رجال الفن الإيراني؛ فذلك لأنهم كانوا يدمجون شخصيتهم في شخصية قومية أعلى، وكانوا يعتقدون أنهم إنما يعملون لمجد خالد لا لمنفعة شخصية.

وفي رأينا أن الزميل الفاضل لم يكن موفقا كل التوفيق في الجزء الأخير من هذه العبارة؛ لأن الواقع أن قلة الإمضاءات في الفنون الإسلامية وندرة البيانات عن الفنانين ترجعان إلى طبيعة الفن الإسلامي في قلة الإبداع والابتكار، وفي اتباع الفنانين مجموعة من الأساليب الفنية الموروثة، كما ترجعان إلى أرستقراطية الفنون الإسلامية، وإلى أن الأمير أو الثري الذي يشيد له البناء أو تصنع له التحفة الفنية، يأبى أن يسود اسم المهندس أو الفنان، ويحرص على أن يكون الفضل كل الفضل لشخصه بوصفه المنفق على تشييد البناء أو صاحب التحفة.

1

ولكن لا يفوتنا أن نذكر أن الطرز الإيرانية هي أحفل الطرز الإسلامية بالحالات الشاذة عن القاعدة التي شرحناها في السطور السابقة؛ وذلك لأن الطرز الفنية الإيرانية كانت أكثر فهما للحياة من سائر الطرز الإسلامية. ويرجع ذلك إلى أن الفنانين الإيرانيين لم يكترثوا بتحريم تصوير الكائنات الحية أو تجسيمها؛ فاتسع الأفق الفني عندهم، وأقبلوا على توضيح المخطوطات بالصور، وعلى إنتاج التحف البديعة، وأصاب بعضهم في هذا السبيل توفيقا حق له أن يفخر به وأن يسجله لنفسه، أو ظن خطأ أنه أصاب ذلك التوفيق فسجله بدون أن يستحقه. •••

وكان الإيرانيون كسائر الشعوب الإسلامية يكرهون الفراغ في زخارفهم ويميلون إلى تغطية كل المساحات المراد تزيينها، فلا يتركون من سطحها شيئا بدون زخارف، ولكنهم لم يبالغوا في ذلك كل المبالغة بل لقد أدركوا أحيانا - ولا سيما في زخرفة الخزف - ما يمكن أن يفيدوه من ترك بعض الفراغ بين العناصر الزخرفية المختلفة. •••

وثمة ميزة أخرى للطرز الإيرانية في الإسلام، وهي أنها أكثر الطرز الإسلامية اتصالا بالتاريخ القومي في الأقاليم التي قامت فيها؛ فقد عمد الإيرانيون إلى تاريخهم الوطني، واتخذوا منه موضوعات عديدة للتصوير والزخرفة، ورسموا قصصه في الخزف وفي الصور التي زينوا بها المخطوطات وغير ذلك.

ولعل السبب في ذلك أنهم الأمة الوحيدة التي لم يقطع الإسلام صلتها بتاريخها القديم بعد أن فتحها العرب، وأصبحت جزءا من إمبراطوريتهم. وحسبك أن تمعن النظر في الطرز الفنية التي قامت في مصر: الطولوني والفاطمي والمملوكي؛ فإنك لن ترى فيها كبير صلة بالعصر الفرعوني أو العصر الإغريقي الروماني أو العصر القبطي من عصور التاريخ المصري؛ ولا غرابة فإن المصريين فقدوا بعد الفتح العربي لغتهم وأدبهم القديم، بينما إيران صمدت للعنصر العربي طويلا ولم تفقد لغتها القديمة، وإن كتبتها بالحروف العربية، واستعارت لها من اللغة العربية آلاف المفردات والتراكيب. وفي القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) قامت نهضة قوية في إيران، وذاع استخدام اللغة الفارسية في الأدب من جديد، وزاد اعتزاز الإيرانيين بتاريخهم الوطني القديم وبعبقريتهم الفنية التي ورثوها عن أسلافهم الساسانيين. وكان بعد ذلك كتابهم العظيم «الشاهنامه» سجلا لتاريخ بلادهم، وما ألم بها من الأحداث الخرافية والواقعية، فضلا عن سير أبطالهم المشبعة بطرائف الأخبار وقصص الحب والبطولة، وكان لهذا كله أكبر أثر في فنونهم وفي الموضوعات التي أقبلوا على تصويرها أو اتخذوها عناصر زخرفية.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلاميص ١٠١