تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولسنا نريد هنا أن نعنى عناية خاصة بالرسوم الهندسية البسيطة كالمثلثات والمربعات والمعينات والأشكال المخمسة والسداسية، كما لا تعنينا أيضا الأساليب الهندسية التي كان لها شأن يذكر في الزخارف الساسانية البيزنطية؛ كالدوائر والعصائب والجدائل المزدوجة، والخطوط المنكسرة، والخطوط المتشابكة، ولكنا نقصد الرسوم الهندسية التي امتازت بها الفنون الإسلامية، ولا سيما في عصر المماليك بمصر، تلك هي التراكيب الهندسية ذات الأشكال النجمية المتعددة الأضلاع، وهي التي ذاعت في مصر واستخدمت في زخارف التحف الخشبية (شكل

4-5 )، والنحاسية (شكل

4-6 )، وفي الصفحات الأولى المذهبة في المصاحف والكتب، وفي زخارف السقوف وغير ذلك. وقد أتقن المسلمون هذا النوع وانصرفوا إلى الابتكار والتعقيد فيه.

وقد عني الأستاذ برجوان الفرنسي

Bourgoin

بدراسة هذه الزخارف الهندسية المعقدة، وبتحليلها إلى أبسط أشكالها

3

ويتجلى من دراسته الطريفة أن براعة المسلمين في الزخارف الهندسية لم يكن أساسها الشعور والموهبة الطبيعية فحسب، بل كانت تقوم على علم وافر بالهندسة العلمية، وأعجب الغربيون بهذه الرسوم الهندسية، وقلدها بعضهم، حتى ليروى عن ليوناردو دافينشي أنه كان يقضي ساعات طويلة يرسم فيها الزخارف الهندسية الإسلامية (شكل

4-7 ).

شكل 4-5: مصراع باب فيه حشوات من العاج المحفور والمنزل، وهو من الصناعة المصرية في القرن الخامس عشر، ومحفوظ الآن في متحف فكتوريا وألبرت بلندن.

شكل 4-6: كرسي من نحاس مخرم منشوري الشكل، ومسدس الأضلاع، ومكفت بالفضة، وعلى جوانبه زخارف هندسية مختلفة. وهو من صناعة مصر في القرن الرابع عشر الميلادي، ومحفوظ بدار الآثار العربية.

ولسنا نظن أنه كانت ثمة كتب عند المسلمين فيها نماذج الزخارف الهندسية الإسلامية الذائعة، ولكنا نرجح أن هذه الزخارف كانت سرا من أسرار الصناعة يتلقاه الصبيان عن معلميهم في الفن والمهنة.

شكل 4-7: زخرفة إسلامية لليوناردو دافنشي.

والمشاهد أن الزخارف الهندسية أكثر ذيوعا في الطراز المصري السوري منها في سائر الطرز الإسلامية، حتى لقد قيل إنها ترجع إلى الفن المصري القديم، كما قال آخرون إنها تظهر في زخارف الخيام والسجاجيد التي كان يصنعها الأقوام الرحل الذين كانوا يعيشون في أواسط آسيا، وقال فريق ثالث إنها ربما تأثرت بالرسوم الهندسية التي حذقها فريق من صناع الفسيفساء عند البيزنطيين، وورثها عنهم صانعو الفسيفساء المسلمون.

شكل 4-8: زخرفة هندسية إسلامية.

والمعروف أن بعض الزخارف الهندسية التي استخدمها البيزنطيون والقبط انتقلت إلى أيرلندا؛ حيث استخدمت في تزيين الصور التوضيحية في المخطوطات ، ولكن لم يكن لها هناك الوفرة والتعقيد اللذان كانا لها على يد المسلمين، واللذان كان يكسبان بعض أجزائها شيئا من الحركة والحياة.

وقد طبعت الفنون الإسلامية بطابع هذه الرسوم الهندسية، حتى إن برجوان

Bourgoin ، العالم الفرنسي السالف الذكر، أشار في معرض دراستها وتحليلها إلى ثلاثة فنون عظيمة؛ هي: الفن الإغريقي، والفن الياباني، والفن العربي (الإسلامي)، وشبهها بالفصيلة الحيوانية والنباتية والمعدنية على الترتيب؛ إذ إنه شاهد في الفن الإغريقي عناية بالنسبة وبالأشكال التجسيمية

Plastic Forms ، وبدقائق الجسم الإنساني والحيواني، بينما عرف في الفن الياباني دقة في تمثيل المملكة النباتية، ورسم الأوراق والفروع والزهور. أما في الفن الإسلامي، فقد ذكرته الأشكال الهندسية المتعددة الأضلاع بالأشكال البلورية التي توجد عليها بعض المعادن.

الزخارف النباتية

أما العنصر النباتي في الزخارف الإسلامية، فقد تأثر كثيرا بانصراف المسلمين عن استيحاء الطبيعة وتقليدها تقليدا صادقا أمينا، فكانوا يستخدمون الجذع والورقة لتكوين زخارف تمتاز بما فيها من تكرار وتقابل وتناظر، وتبدو عليها مسحة هندسية جامدة تدل على سيادة مبدأ التجريد والرمز في الفنون الإسلامية (شكل

في الفنون الإسلامية · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في الفنون الإسلاميةص ١٠