وقال المقريزي وغيره من أصحاب كتب الخطط: إن مسجد التنور هو موضع تنور فرعون، كان يوقد له عليه، فإذا رأوا النار علموا بركوبه فاتخذوا له ما يريد، وكذلك إذا ركب منصرفا من عين شمس. ويقال: إن تنور فرعون لم يزل في هذا الموضع بحاله إلى أن خرج إليه قائد من قواد أحمد ابن طولون يقال له وصيف قاطرميز، فهدمه وحفر تحته، وقدر أن تحته مالا، فلم يجد فيه شيئا. ويذكر الشاعر الطولوني سعيد القاص مسجد التنور في الأبيات الآتية من قصيدته المشهورة التي يعدد فيها مناقب الدولة الطولونية:
1
وتنور فرعون الذي فوق قلة
على جبل عال على شاهق وعر
بنى مسجدا فيه يروق بناؤه
ويهدي به في الليل إن ضل من يسري
تخال سنا قنديله وضياءه
سهيلا إذا ما لاح في الليل للسفر
ولكن الظاهر أن مسجد التنور لم تقم فيه الجمعة قط،
2
ونحن نعلم أن الخليفة عمر بن الخطاب لما مصر الأمصار، كتب إلى عماله فيها أن يتخذ كل منهم مسجدا للجماعة، وتتخذ القبائل مساجد أخرى تتركها يوم الجمعة للانضمام إلى مسجد الجماعة، ولما قدم ابن طولون ديار مصر كانت الجمعة تقام بجامع عمرو بن العاص وبجامع العسكر، إلى أن بنى الأمير مسجده الجامع على جبل يشكر.
والرواة مختلفون في سبب تسمية هذا الجبل، فابن دقماق يروي أن: يشكر الذي ينسبونه إليه كان رجلا صالحا،
3
والقضاعي ينسبه إلى: يشكر بن جزيلة من قبيلة لخم التي اتخذت خطتها في هذا الجبل بعد أن تم للعرب فتح مصر.
4
ومهما يكن من شيء فإن ابن طولون أراد أن يكون له مسجد كبير يتضاءل جانبه جامع عمرو وجامع العسكر، ويدل على عظمة الأمير، ورخاء البلاد في عصره.
موقع الجامع الطولوني وتاريخ إنشائه
اختلف المؤرخون في تاريخ إنشاء الجامع، فقال المقريزي:
5
إن بنيانه ابتدأ سنة 263 هجرية (876-877 ميلادية). وخالفه ابن دقماق وأبو المحاسن بن تغري بردي، فذهبا إلى أن الشروع في تشييده كان سنة 259ه (873-874م).
6
ويذكر الكندي أن ابن طولون ابتدأ في تشييد مسجده سنة 264ه (877-878م)، وأتمه في سنة 266ه (879-880م)،
7
ولكن الصواب ما ذكره المقريزي من أن الفراغ من بناء الجامع كان في سنة 265ه (878-879م)، وهو التاريخ الوارد في الكتابة التاريخية التي وجدت بالجامع منقوشة بالخط الكوفي على لوح من الرخام،
8
والتي يجد القارئ نصها في كتاب الأستاذ محمود عكوش عن الجامع الطولوني (ص21 وما بعدها).
ولا يزال جامع ابن طولون قائما بين القاهرة والفسطاط في حي السيدة زينب الآن، ولسنا نجهل أن المباني قد امتدت منذ قرون طويلة بين الفسطاط والعسكر والقطائع والقاهرة حتى اتصلت عواصم مصر كلها، وأصبحت بلدا واحدا، هو العاصمة الحالية.
وقد كان جبل يشكر الذي أقيم عليه الجامع موضعا مباركا، يعتقد الناس بفضائله، وبأن الدعاء يستجاب فيه، ويزعمون أن الله عز وجل كلم موسى عليه.
9
مهندس الجامع
عهد ابن طولون ببناء مسجده الجامع، والعين التي أرادها بظاهر المعافر - والتي سيأتي الكلام عليها - إلى مهندس مسيحي، يصفه المقريزي بأنه كان رجلا نصرانيا حسن الهندسة حاذقا بها، وأكبر الظن أن هذا المهندس لو كان بيزنطي الأصل؛ لقال المقريزي إنه رومي، ولسنا نستطيع أيضا القول بأنه كان مسيحيا من مصر؛ لأن المقريزي لم يكن ليغفل عن إيضاح ذلك والنص بأن المهندس كان قبطيا.
فنحن نرجح إذن أن المهندس المذكور كان عراقي الأصل، ولا يبعد أن يكون قد قدم إلى مصر في ركاب ابن طولون، أو أن يكون هذا قد أرسل في استدعائه عندما عقد العزم على تشييد المسجد الجامع وغيره من الأبنية.
ومهما يكن من شيء فإن طراز العمارة الطولونية ينبئ عن صناعة عراقية، فضلا عن أن ما بها من زخارف جصية يجعلنا نحكم بأن المهندس الطولوني أتى من سامرا، أو كان على الأقل خبيرا بما ازدهر فيها من فنون.