15
وعلى كل حال فقد يكون سهلا أن يذهب المرء مذهب الأستاذ شتريجوفسكي
STRZYGOWSKI ، فيقرر أن العرب أخذوا عن الآريين وسكان الطاي
ALTAI
فنونهم البدوية،
16
ولكن ليس من اليسير تأييد مثل هذه النظريات بأدلة علمية قاطعة.
17
هذا وقد عثر رجال البعثة الألمانية في أنقاض بعض البيوت في سامرا على بقايا صور حائطية لم تكن - لسوء الحظ - باقية في أمكنتها الأصلية إلا فيما ندر، وكان أغلبها في حالة سيئة من التلف. ومما يلفت النظر أن أكثر هذه الصور لا يكون مواضيع متصلا بعضها ببعض كما في قصير عمرا؛ وإنما يشمل صورا زخرفية لحيوانات وأشخاص في الصيد، أو لنساء يرقصن.
ومن المعلوم أن الحيوانات في صور قصير عمرا متأثرة بالأساليب الفارسية،
18
بينما تتجلى التأثيرات البيزنطية في تقاطيع الوجوه وأوضاع الأشخاص. أما في سامرا فإن الأساليب الفارسية تتغلب على غيرها، ويتبين ذلك في التناسب
La symétrie
الذي نراه في تصوير الأشخاص والزخارف، وفي الطريقة التي ترسم بها ثنايا الملابس، هذا فضلا عن أن المنسوجات التي تظهر صورها في سامرا كلها من منسوجات خوزستان، ومع ذلك كله فلسنا نذهب إلى نفي كل تأثير بيزنطي في صناعة تصاوير سامرا؛ فإن ياقوت الحموي يحدثنا أنه كان في قصر المختار الذي بناه المتوكل في سامرا صور عجيبة، من جملتها صورة بيعة فيها رهبان.
19
وقد وجد الأستاذ هرتزفلد في أنقاض سامرا بعض إمضاءات إغريقية،
20
فيحتمل أن يكون بين الفنانين الذين رسموا هذه الصور بعض النقاشين الإغريق.
على أن الفنانين من مسيحي الطوائف الشرقية كان لهم بعض التأثير في صناعة الصور المذكورة، كما كان لهم الفضل الأكبر في النهضة بصناعة الصور المصغرة في المخطوطات، ومما تجدر ملاحظته أننا لا نرى في تصاوير سامرا أي أثر يذكر لأساليب التصوير في أواسط آسيا.
وقد أثرت صناعة التصوير في سامرا بدورها على التصوير عند الفاطميين في مصر، كما يتبين ذلك من النقوش التي عثرت عليها دار الآثار العربية في شتاء سنة 1933، بجهة أبي السعود في جنوبي القاهرة، والتي يرجع عهدها إلى الفاطميين، وتتكون من صور كانت على الجدران،
21
وفي صناعتها تأثير ساساني واضح، يشهد بمبالغة الدكتور هرتزفلد حين يزعم أن تصاوير سامرا آخر ما يعطينا أي فكرة عما كانت عليه تلك الصناعة في عهد الساسانيين.
22
ولن يفوتنا قبل أن نختم هذا الفصل عن مدينة المعتصم أن نشير إلى ما كشف في أنقاضها من خزف يشبه ما وجده المنقبون في الري ببلاد إيران، وفي الفسطاط وغيرها،
23
وسوف نعود إلى الكلام عليه حين نتحدث عن الفنون الفرعية.
الفصل الثاني
| العمارة الدينية
ليست دراسة العمارة الدينية في عهد الطولونيين أمرا من الصعوبة بمكان يذكر، والفضل في ذلك يرجع إلى جامع أحمد بن طولون الذي لم تغير العصور الطويلة كثيرا من معالمه، فبقي حتى العصر الحاضر دليلا على ما بلغته العمارة من تقدم في صدر الإسلام. ولا غرو؛ فقد كانت العمارة أجل الفنون عند المسلمين، فبلغوا فيها شأوا بعيدا، ولم يكن للفنون الفرعية لديهم قوام إلا بالعمارة، فأخذوا عن الأمم التي اختلطوا بها ما أخذوا، وابتدعوا أساليب جديدة غاية في العظمة والجمال.
ونحن إذا لاحظنا أن جامع عمرو بن العاص لم يبق على حاله كما كان في عصر بنائه، وأنه أدخل عليه من الإصلاحات الكثيرة ، وأضيف إليه من الأبنية المستحدثة ما غير معالمه الأولى؛ رأينا أن جامع ابن طولون أهم الآثار العربية في مصر، وأقدم شاهد على المدنية الإسلامية فيها.
على أن هذا المسجد الجامع ليس المسجد الوحيد الذي ينسب إلى أحمد بن طولون؛ فهناك مسجد آخر يسمونه: مسجد التنور، بناه ابن طولون في أعلى جبل المقطم بعد أن ضاق جامع العسكر بالمصلين من جند الأمير وعامة الشعب.