رسم الجامع ووصفه
يتكون الجامع من صحن مربع مكشوف، مساحته 92,30 × 91,95 مترا؛ أي نحو 8487 مترا مربعا، وتحيط به أروقة من جوانبه الأربعة، وأكبر هذه الأروقة فيه القبلة. ويشمل خمس بلاطات
travées ، بينما يشمل كل من الأروقة الثلاثة الأخرى بلاطتين. وبين جدران الجامع وسوره الخارجي ثلاثة أروقة خارجية حول بلاطات المؤخر والجانبين؛ أي من الجهات الشمالية الشرقية والغربية. وهذه الأروقة الخارجية (أو الزيادات كما يسميها ابن دقماق) مضافة إلى مساحة الجامع نفسه تكون مربعا ضلعاه 161,73 مترا × 162,50 مترا.
10
ويعلل ابن دقماق بناء هذه الأروقة بأن الجامع ضاق عن المصلين، فقالوا لابن طولون: نريد أن تزيد لنا فيه زيادة؛ فزاد فيه هذه الزيادة بظاهره.
11
ولكنا نعلم الآن بأن مثل هذه الزيادات كان موجودا في المسجد الجامع بسامرا (847م) وفي مسجد أبي دلف.
12
ولسنا نؤيد ما يذهب إليه بعض العلماء من أن أصل هذه الزيادات راجع إلى أن المساجد الأولى في سامرا كانت مساجد حربية، وأنها لم تكن معدة للجيوش المنصورة فحسب، بل كانت تتخذ شكل المعسكرات.
13
والواقع أنه لم يكن في سامرا جيوش منصورة ولا معسكرات في المساجد لتلك الجيوش. وقد كتب الأستاذ الدكتور كونل
DR. KÜHNEL
عند كلامه عن الأبراج في جدران المسجد الجامع بسامرا: «إن الجدران الخارجية التي تقويها الأبراج تذكر بمساجد المعسكرات»
Die mit Rundtürmen verstärkte Umfassungsmauer erinnert noch an die Lagermoscheen .
14
ولكن مساجد المعسكرات نفسها لم توجد في سامرا.
وقد زعمت الآنسة آلنشتيل أنجل
AHLENSTIEL-ENGEL
في كتابها عن الفن العربي
15
أن الجامع الطولوني كان من مساجد المعسكرات.
وقالت أيضا: إن مسجدا آخر من مساجد المعسكرات بني قبل عصر ابن طولون، وأطلق عليه اسم: العسكر. وفاتها أن هذا الاسم أطلق في الإسلام على المدن التي أنشأها قواد الجيوش الإسلامية محل معسكراتهم، وأنه أصبح في مصر علما على الضاحية التي اتخذها ولاة بني العباس حاضرة للبلاد شمالي الفسطاط، وسمي جامع العسكر بهذا الاسم نسبة إلى تلك الضاحية التي أقيم فيها.
وذكر الأستاذ عكوش ما ذهب إليه باسكال كوست من أن الغرض من إحاطة المسجد بالأروقة: أن يكون بعيدا عن أن تصل إليه الضوضاء من الخارج.
16
هذا ومن المعروف أن القاضي المصري الحارث بن مسكين (سنة 852) أمر ببناء زيادة غربي جامع عمرو.
17
وأكبر الظن أن مثل هذه الأروقة الزائدة اتخذت في غير المسجد الطولوني، وفي غير مسجدي سامرا وأبي دلف، وفي رأينا أن الباعث إليها ما ذكره ابن دقماق، وهو الرغبة في تكبير الجامع وزيادته.
وكانت الأروقة الثلاثة الخارجية في الجامع الطولوني تحيط بها أسوار توازي جدران المسجد وتقل عنها في الارتفاع، وعليها شرفات مخرمة غريبة الشكل، وبها أبواب تقابل أبواب المسجد، كانت كلها بسيطة لا تضارع في الفخامة ما اتخذ من الأبواب في المساجد المتأخرة.
مواد البناء
وجامع ابن طولون مشيد بآجر أحمر غامق، مقياسه في المتوسط 0,18 × 0,08 × 0,04، ومداميكه واحد يرص بطول الطوبة على امتداد الجدار، يليه آخر يرص بعرض الطوبة عموديا على طول الجدار، وهكذا على النحو الذي يسميه البناءون - كما يقول الأستاذ عكوش - مداميك أدية وشناوي،
18
ولحام الآجر بعضه ببعض سميك، وفيه شيء من الانتظام، وهناك طبقة سميكة من الجص تغطي أبنية الجامع كلها، كالعادة التي اتبعت في العمارة بسامرا.
ومع أن استعمال اللبن والآجر دون غيرهما من مواد البناء كان خاصة من خواص العمارة في العراق؛ حيث تتطلبه طبيعة الأرض وقلة الأحجار؛ فإننا لا نظن أن بناء الجامع الطولوني بالآجر كان سببه أن المهندس عراقي الوطن كما ظن الأستاذ سلادان
H. SALADIN .
19
والواقع أن أقدم الأبنية الإسلامية في مصر وهو مقياس النيل في الروضة مشيد بالحجر، ولكننا نعلم بالرغم من ذلك أن البنائين في مصر استعملوا اللبن والآجر حتى أوائل العصر الفاطمي (آخر القرن العاشر)، حين نرى الحجر مستعملا لأول مرة في باب مسجد الحاكم ومنارتيه.