Arabesques
إلى موضوعات نباتية تقليدية جدا أغنى زينة وأكثر عمقا في الجص، وقد تختلط الموضوعات الهندسية بالموضوعات النباتية، فنرى زهرة تقليدية تتوسط أشكالا هندسية متصلا بعضها ببعض بأشرطة أو بحبات تتقاطع أو تنثني، فتتخذ أشكالا هندسية أخرى، أو تكون فروعا نباتية عربية تحيط برسوم دقيقة لأغصان وعناقيد من العنب.
وقد درس الأستاذان: الدكتور زره
SARRE ، والدكتور هرتزفلد
HERZFELD
الزخارف المذكورة دراسة وافية، وقسماها إلى ثلاثة طرز بحسب خواصها، والمصدر الذي يظنان أنها ترجع إليه، على أن أكثر مؤرخي الفن الإسلامي يرون أن العالمين الألمانيين المذكورين قد بالغا بتقسيمهما هذا في الفروق بين الطرز المختلفة، واتبعا طريقة تنقصها المرونة.
10
ومهما يكن من شيء فإن أقدم هذه الزخارف الجصية طراز فيه رسوم لعناقيد عنب وأوراقها، وهي ليست بعيدة جدا عن العناقيد والأوراق الطبيعية، بالرغم من أن فيها شيئا من التنسيق والتهذيب
Stylisation . وتذكرنا هذه الزخارف بتلك التي نراها في قصر المشتى
MSHATTA
11
بشرق الأردن لما بينها من الشبه في الصناعة، ويعتبر هذا النوع من زخارف سامرا الطراز الثالث في تقسيم الدكتور هرتزفلد، ويظهر أن مصدره إيران وبلاد المسيحية الشرقية، على أننا نجد في قصر الطوبة الذي يرجع تاريخه إلى أواخر العصر الأموي زخارف بينها وبين زخارف هذا الطراز الثالث شبه كبير.
12
وأما في الطراز الثاني فإن الزخارف التي شرحناها في الطراز الثالث تبعد عن الحقيقة الطبيعية، ويزداد فيها التهذيب والتنسيق حتى تصبح في الطراز الأول - وهو أحدثها جميعا - زخارف قطوعها خطية، وليس بينها وبين الحقيقة الطبيعية صلة تذكر. وزخارف الطراز الأول مصبوبة في قالب، وليست محفورة في الجدران نفسها، كما هي الحال في زخارف الطرازين الثاني والثالث.
ومن المعلوم أن تغطية الجدران بطبقة من الجص محفور فيها رسوم مختلفة؛ صناعة زخرفية قديمة وجدت عند البارثيين والساسانيين؛ ففي القسم الإسلامي من متاحف برلين، وفي متحف المتروبوليتان بنيويورك نقوش بارزة من الجص بها موضوعات هندسية ومراوح نخيلية
Palmettes
يمكن اعتبارها أصل الزخارف الجصية في سامرا، أو خطوة أولى في سبيل تكوينها
13 (اللوحة رقم
1 ).
وصفوة القول أننا نرى في زخارف هذه العاصمة العباسية تطورا طبيعيا إلى الموضوعات الزخرفية والمعنوية البعيدة عن الطبيعة، والتي يسودها التهذيب والتنسيق اللذان يمتاز بهما الفن الإسلامي.
ولسنا ننكر أن هذا التطور قد أدى إلى صناعة وموضوعات زخرفية نجد مثلها في أواسط آسيا قبل تشييد سامرا، ونجد مثلها أيضا في الهند والصين قبل هذا التاريخ، ولكنا لا نرى في ذلك ثورة زخرفية، أو نشأة زخارف عباسية متأثرة بأساليب أواسط آسيا كما يعتقد الأستاذ الدكتور كونل
KÜHNEL
الذي يقول بأن آخر تطور لزخارف سامرا؛ إنما هو أكبر ظاهرة في حياتها كلها، فقد بلغ من الأهمية أن خلق ثورة زخرفية كاملة، وأسس طرازا زخرفيا عباسيا فيه تأثير تركي كبير؛ لأن الروح التي تسود هذا الطراز الجديد هي تلك التي ورثتها القبائل الطورانية عن فنون قبائل السيت
SCYTHES
وأساليبها.
14
فالواقع أننا لا نرى في زخارف سامرا هذا المقدار من أساليب الفن السيتي، ولسنا نميل إلى أن نبالغ في أهمية الجند الترك الذين أخذ الخلفاء العباسيون يستخدمونهم قبل تأسيس سامرا بنحو عشرين سنة؛ فقد كان الدور الذي لعبوه كبيرا في السياسة والإدارة، أما الناحية الفنية فلم تكن لهم ولم يكونوا لها، وكان الفرس بماضيهم الفني المجيد أكثر استعدادا منهم للتأثير في الفنون الإسلامية.
ومما نستطيع أن نسوقه للدلالة على صحة نظريتنا هذه: ما نلاحظه من عدم وجود طرف أثرية معدنية من القرن التاسع الهجري، يتبين منها مثلا أسلوب قبائل السيت في تصوير الحيوانات، متداخلا بعضها في بعض بطريقة اختصوا بها، وصارت من أهم مميزات فنونهم، ويوضحها ما كشف من آثارهم في أواسط آسيا وجنوبي روسيا.