ولا يخفى ما للكشف عن أنقاض سامرا من أهمية في دراسة الفن الإسلامي؛ فإن المصادر التاريخية (ولا سيما ما كتبه اليعقوبي) ذكرت لنا كيف أحضر المعتصم أشهر الفنانين من أنحاء الإمبراطورية الإسلامية؛ ليجعل من عاصمته الجديدة أكبر منافس لبغداد، مدينة جده المنصور، وواحدة من أكثر المدن ازدهارا في التاريخ الإسلامي بأجمعه، وكيف أنه كتب في إرسال البنائين والفعلة وأهل المهن من الحدادين والنجارين وسائر الصناعات، وفي حمل خشب الساج وغيره من أنواع الخشب وجذوع الأشجار من البصرة وبغداد وأنطاكية وسواحل الشام. واليعقوبي يخبرنا صراحة أن المعتصم استقدم من كل بلد من يعمل عملا من الأعمال، أو يعالج مهنة من مهن العمارة، والزرع، والنخيل، والغروس، وهندسة الماء ووزنه واستنباطه، والعلم بمواضعه من الأرض، وحمل من مصر من يعمل القراطيس وغيرها، وحمل من البصرة من يعمل الزجاج والخزف والحصر، وحمل من الكوفة من يعمل الخرق ومن يعمل الأدهان، ومن سائر البلدان من أهل كل مهنة وصناعة.
4
وليس بغريب أن اهتمت الهيئات العلمية الأوروبية بالكشف عن آثار تلك العاصمة، وتوالت للبحث فيها البعثات الأثرية، فبدأ بذلك الفرنسيان: الجنرال بيلييه
DU BEYLIÉ ، والمسيو فيوليه
VIOLLET ، ثم المس بل
BELL
الإنجليزية. ولكن الفضل كل الفضل يرجع إلى البعثة الألمانية، وعلى رأسها الأستاذان: الدكتور زره
SARRE ، والدكتور هرتزفلد
HERZFELD
اللذان استطاعا دراسة الأنقاض الباقية، والوقوف على أهم الموضوعات الزخرفية والطرز المعمارية فيها، كما يتبين ذلك من تقاريرهما عن العمل، وفي المؤلفات التي كتبت بعنوان: «حفائر سامرا»
Die Ausgrabungen von Samarra .
ولما كان ما وصل إلينا من الأبنية الطولونية في حالة جيدة من الحفظ إنما هو المسجد الجامع الذي شيده أحمد بن طولون؛ فإنه يهمنا على الأخص من آثار سامرا: المسجد الجامع الذي شيده الخليفة المتوكل بين عامي 846 و852،
5
وهو مسجد ذو أروقة،
6
يشبه جامع ابن طولون من عدة وجوه، فعمارتهما غير متأثرة بالأبنية المسيحية السورية، كما تأثرت قبة الصخرة والمسجد الأموي بدمشق، بل هي تشبه كثيرا رسم الحرم النبوي في المدينة، سواء في ذلك كان هذا الحرم في عهد النبي مسجدا، أو كان بيتا خاصا له كما يرى المستشرق كيتاني
CAETANI ، والأستاذ كريزول
CRESWELL .
7
ومسجد سامرا مكون من مستطيل كبير ذي جدران مرتفعة من الآجر، تتخللها أبراج مستديرة،
8
وسوف نعرض للكلام عن أجزائه المختلفة حين ندرس المسجد الطولوني.
على أن عمارة الأبنية في سامرا تختلف كل الاختلاف عن عمارة الأبنية الأموية؛ فالحجر لا يكاد يظهر في سامرا، بل الآجر هو المستعمل في كل شيء حتى في الدعائم أو الأرجل
Piliers
وفي الزخارف الخارجية.
وقد كشفت حفريات البعثة الألمانية أنقاض بعض القصور الملكية، وكثير من دور الخاصة، وكلها تسود فيها الأوضاع والتقاليد المعمارية الإيرانية، ولا غرو فقد كان سقوط الدولة الأموية وانتقال العاصمة إلى بغداد إيذانا بضعف التأثيرات البيزنطية والسورية في العمارة العربية، بل في الفن الإسلامي بأكمله، وغلبت بعد ذلك التأثيرات الفارسية والأساليب المعمارية العراقية والساسانية.
وكانت الزخارف تلعب دورا كبيرا في قاعات الأبنية وردهاتها بسامرا، ولا سيما في الأجزاء السفلية من الجدران؛ فقد كانت هذه مغطاة بطبقة من الجص عليها رسوم بارزة وأخرى محفورة بعناية كبيرة، ودقة متناهية، ولكن زخارفها هندسية أو نباتية؛ فالزخارف الخطية تكاد لا تظهر في سامرا، وكثيرا ما كانت السقوف والطبقة الجصية تغطيها صور ملونة.
9
ولهذه الزخارف الجصية التي وجدت في قصور سامرا وبيوتها أهمية كبرى في تاريخ الزخارف الإسلامية. أما موضوعاتها فتتراوح بين رسوم بسيطة خالية من الفروع النباتية العربية