ومهما يكن من شيء فإن نظرة إلى مسجد أحمد بن طولون، وإلى المصادر التاريخية العربية تكفي لأن تقنعنا بأن الفن الطولوني مأخوذ عما كان من فن في بلاد الجزيرة، وخاصة في سامرا التي كانت عاصمة الإمبراطورية الإسلامية حين ظهر أحمد بن طولون على المسرح السياسي.
قضى أحمد بن طولون شبابه في سامرا التي كشفت فيها حفائر الأستاذين زره
SARRE ، وهرتزفلد
HERZFELD
عن أنواع مدهشة من الأبنية والزخارف الفنية والتحف الأثرية، وظلت ذكرى هذه العاصمة العباسية باقية في ذهن ابن طولون الذي كان يحرص كل الحرص على أن يرتقي ببلاطه وبعاصمته في مصر؛ حتى يكون منافسا لعاصمة الخلافة وما فيها.
وإذ إننا سنضطر في كثير من الأحوال إلى الالتجاء إلى هذه العاصمة؛ لنتفهم أصول الزخارف الطولونية؛ فإنه يجدر بنا أن نبدأ بدراسة مفصلة لتاريخها ولما ازدهر فيها من فنون.
سامرا
أسست على يد «أشناس»، أحد قواد الأتراك، بأمر الخليفة المعتصم سنة 836، وظلت حينا من الدهر عاصمة الإمبراطورية الإسلامية، فسكنها ثمانية خلفاء، هم: المعتصم؛ ثم ابناه: هارون الواثق، وجعفر المتوكل؛ ثم محمد المنتصر بن المتوكل، وبعده المستعين أحمد بن المعتصم، والمعتز أبو عبد الله بن المتوكل، والمهتدي محمد بن الواثق، والمعتمد أحمد بن المتوكل.
والسبب في بنائها: أن الخليفة المعتصم كان قد أكثر من شراء الجند الأتراك، وكان من الصعب التوفيق بينهم وبين سكان بغداد، فكان هؤلاء الأتراك العجم - كما يقول اليعقوبي
2 - إذا ركبوا الدواب ركضوا، فيصدمون الناس يمينا وشمالا، فيثب عليهم الغوغاء فيقتلون بعضا، ويضربون بعضا، وتذهب دماؤهم هدرا، فثقل ذلك على المعتصم، وعزم على الخروج من بغداد.
ولعل الأستاذ الفرنسي فيوليه
VIOLLET
كان قد أخطأ قليلا في فهم عبارة اليعقوبي؛ فكتب في مقالته عن سامرا بدائرة المعارف الإسلامية (جزء 4 صحيفة 136): أن الخليفة كان مهددا في بغداد بفتن جنوده المرتزقة من الترك والبربر؛ فعمل على أن يتخذ لنفسه عاصمة يكون فيها أكثر أمنا، وأقل عرضة لهذا التهديد.
ولعل اسم سامرا مشتق من اللغة الإيرانية القديمة، بمعنى: المكان الذي تدفع فيه الجزية، ومهما يكن من شيء فإن العرب يسمونها: «سر من رأى»، ويزعمون أن موضعها كان مدينة سام بن نوح.
وتقع مدينة سامرا على الضفة اليمنى لنهر دجلة، على بعد مائة كيلومتر شمالي بغداد، وترجع شهرتها إلى الأبنية العظيمة التي شيدها فيها المعتصم وخلفاؤه. وقد حفظ لنا اليعقوبي وغيره من مؤرخي العرب أسماء عدد من هذه القصور الشاهقة، كالجوسق: للخليفة المعتصم، والهاروني: للواثق؛ ثم عروس، وبلكوار، ومختار، ووحيد: للخليفة المتوكل الذي عزم قبل وفاته بنحو سنتين أن يبتني مدينة يتخذها عاصمة له وتنسب إليه؛ فشيد حاضرة جديدة شمالي سامرا، سميت: الجعفرية،
3
وأقام في قصوره بها تسعة أشهر إلى أن قتل، وخلفه المنتصر الذي انتقل إلى سامرا؛ فخربت الجعفرية وقصورها. على أن سامرا نفسها لم تعد إليها عظمتها الأولى، وبالرغم من أن الخليفة المعتمد شيد في جانبها الشرقي قصر المعشوق، فقد تركها، وأرجع البلاط والحكومة إلى بغداد سنة 883؛ فما لبثت أبنية سامرا أن سقطت الواحد بعد الآخر، اللهم إلا المسجد الجامع، وأما الآن فليست مدينة المعتصم إلا قرية صغيرة في منتصف الطريق بين بغداد وتكريت، وبجانبها آثار حفائر كانت تقوم بها البعثات الأوروبية قبيل نشوب الحرب العظمى.
وقد ظلت سامرا منذ ألف سنة مزار الشيعة ومحل تعظيمهم؛ فهم يزعمون أن بجوار مسجدها الجامع قبر إمامهم الحادي عشر أبو محمد حسن العسكري الذي توفي في سامرا سنة 874، والذي ينسب إلى أحد أحيائها المعروف باسم: عسكر سامرا؛ حيث كان الخليفة قد نقله ليأمن جانبه، وليكون تحت مراقبته. ويعتقد الشيعة أيضا أن في سامرا السرداب الذي اختفى فيه إمامهم أبو القاسم محمد المهدي سنة 878 وهم يزورون هذا السرداب معتقدين أن المهدي المذكور سيظهر منه في نهاية الأيام.