7
فإن فرنسيا قديرا من علماء الآثار الإسلامية كتب في مؤلف حديث له أن القرآن لم يحرم إلا تصوير ما له ظل، وبالحري: عمل التماثيل.
8
وقال فريق من المستشرقين: إن تحريم التصوير في الإسلام إنما جاء في الحديث، وما كنا نعترض على هذا القول لولا أن أصحابه ذهبوا إلى أن الشيعة لا تحترم هذا الحديث؛ ولذا ازدهرت صناعة التصوير في فارس حيث يسود المذهب الشيعي.
9
وهذا باطل لا أساس له؛ فإن النحت والتصوير مكروهان عند علماء الشيعة كرههما عند أهل السنة، وإن كان الشيعيون لا يعترفون بما لدى السنيين من كتب الحديث، فإن لهم كتبا خاصة تشمل ما يعترفون به من أحاديث النبي عليه السلام، وفيها ما يوجد في كتب أهل السنة من نهي عن التصوير، وإنذار للمصورين بأنهم سوف يكلفون يوم القيامة أن ينفخوا في صورهم الروح، وليسوا بنافخين.
10
فالمسلمون من سنيين وشيعيين مجمعون على كراهية النحت وتصوير الأحياء؛ لما فيهما من تقليد الخالق عز وجل، ولما ورد في الحديث من أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا تصوير، ومن أن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون، ومن أن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم ... إلخ.
ومهما يكن من شيء فإن كراهية التصوير لم تكن وقفا على الإسلام،
11
وهي فيه يمكن تفسيرها بنهي النبي
صلى الله عليه وسلم
عن نحت التماثيل وعمل الصور؛ رغبة منه في أن يبعد أتباعه عن كل ما من شأنه أن يقربهم لعبادة الأوثان.
12
نعود الآن إلى الصور المصرية التي نشرها الأستاذ جروهمان:
وأقدم هذه الصور واحدة في مخطوط بقي منه ورقتان: اليمنى منهما في وجهها آثار أربعة أسطر بالعربية، وفي ظهرها آثار اثني عشر سطرا، بقيتها أربعة أسطر في الورقة اليسرى، وتحت هذه الأسطر الأربعة شجرة مرسومة بألوان حية، وفيها فواكه قرمزية اللون، وعلى جانبي الشجرة تلين مدرجين يذكران بالمنارة الملوية في جامع سامرا، وبمنارة الجامع الطولوني.
وقد ذهب الأستاذ جروهمان استنادا إلى نوع الكتابة في هاتين الورقتين إلى أن الصورة ترجع إلى آخر القرن التاسع، أو إلى القرن العاشر الميلادي.
ولاحظ أيضا تركيبها الأولي، وما في رسمها وألوانها من أساليب تذكرنا أيضا بالفن المصري القديم.
13
ورأى فريمل
FRIMMEL
أن الصورة المذكورة ترجع إلى القرن العاشر، ولكنا نظن أن فيها من خصائص الفن الطولوني ما يجعلنا نرجح أنها ترجع إلى آخر القرن التاسع.
وهناك وثيقة أخرى عليها مسحة طولونية أكثر وضوحا، وتتكون هذه الوثيقة من خمس قطع من الورق إذا جمعت صارت ورقة أبعادها 14 × 16 سنتيمترا، وظهر هذه الورقة عليه نص في أربعة عشر سطرا، بينما وجهها عليه نص آخر من ثلاثة أسطر وخمسة، بينهما رسم سيدة ذات شعر طويل، وأمامها رجل جاث على ركبتيه، وهذا النص جزء من الفصل السادس والأربعين من كتاب في الحب والجماع، ويصف باختصار المنظر الذي توضحه الصورة.
14
والأستاذ جروهمان يقارن تركيب هذه الصورة بالمعروف من التصوير القبطي والحبشي، ويظن أن راقم هذه الصورة كان لديه نموذج له علاقة بورق البردي المحفوظ الآن بمتحف تورين، والمشهور بما به من أبحاث في موضوعي الحب والجماع ترجع إلى الدولة الفرعونية الحديثة.
15
وعلى كل حال فإننا نلاحظ أن طريقة رسم الأشخاص في هذه الصورة تشبه كثيرا الطريقة التي نراها على الخزف الطولوني.
وقد نشر الأستاذ جروهمان صورة أخرى وجدت في الأشمونين، وهي الجزء الأيسر من ورقة من المحتمل أن تكون جزءا من كتاب نوادر وحكايات مصورة، وتظهر في النصف الأيسر من الصحيفة صورة رجل ذي لحية كثة، وفي النصف الأيمن زخرفتان يحدهما خط مرسوم بالمسطرة، والزخرفة الأولى حلزونية تشبه كثيرا الزخرفة الموجودة على قطعة الخشب الطولونية المحفوظة بمتحف اللوفر، والزخرفة الثانية من أشكال هندسية ونباتية تشبه الزخارف المرسومة على باطن أحد الأقواس في الجامع الطولوني.