تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11

ولا ريب في أن هذا يؤيد ما يذهب إليه كونل من أن الخزف العراقي كان يرد من سامرا ويقلد في مصر.

وليس خفيا ما يلاقيه الباحثون من صعوبة في سبيل الوقوف على أسرار صناعة الخزف، وقد حاول علي بك بهجت والمسيو ماسول أن يأتيا بمضمون ما يعرفانه من النصوص العربية في هذا الموضوع كمقدمة لأبحاثهما الخاصة في كتابهما سالف الذكر، على أن النصوص التي عثرا عليها كانت من الناحية الكيميائية الصناعية قليلة الأهمية، وقد عللا ذلك بأن الأصل في تعلم المهن في الشرق إنما كانت التجارب فقط، وأن أسرار الصناعات لم تكن تدون، بل كانت تنقل شفاهيا وعمليا، ومن ثم كانت ندرة النصوص وتشتتها.

ولكن حادثا جديدا في عالم البحث والتأليف يؤذن بتذليل كثير من الصعوبات التي تقف دون دراسة الخزف الإسلامي، ونعني بهذا الحادث: كشف الأستاذ الألماني ريتر

RITTER

مخطوطين من كتاب ألفه بالفارسية في تبريز سنة 700ه / 1301م أبو القاسم عبد الله بن علي بن محمد أبي طاهر القاشاني، وسماه: «جواهر العرايس وأطايب النفايس».

والكتاب المذكور قسمان: يبحث الأول في الأحجار النفيسة والمعادن، وخواص كل منها، وقيمته، ويبحث الثاني في العطور وتركيبها، ولكن ما يهمنا منه بنوع خاص إنما هي خاتمته التي تبحث في صناعة الخزف.

ويزيد في أهمية هذه الخاتمة أن مؤلف الكتاب عالم من قاشان، مركز صناعة الخزف في بلاد إيران، وأنه كتبه في تبريز حيث ازدهرت هذه الصناعة، ولا سيما في نفس العصر الذي صنف فيه الكتاب.

وقد فطن إلى فائدة الخاتمة المذكورة أربعة من العلماء الألمان المشتغلين بدراسة الفن الإسلامي؛ فطبعوها وترجموها إلى الألمانية، وعلقوا على نصوصها في منشورات القسم التركي من المعهد الألماني للآثار في سنة 1935.

12

نعود بعد هذا إلى الخزف الطولوني، فنذكر أن علي بك بهجت والمسيو ماسول يظنان أن في القطع التي يحسبانها طولونية أمارة (ماركة) تميزها، وتتلخص في دوائر ثلاث ذات مركز واحد: في الدائرة الداخلية خطوط لولبية وبقع صغيرة مثلثة الشكل، بينما الدائرة الوسطى مكونة من خط سميك، والدائرة الخارجية من خط رفيع، وهذه الدوائر ذات المركز الواحد موزعة بطريقة نظامية زخرفية، وتفصلها أرضية تزينها خطوط صغيرة متوازية أو مقوسة قليلا، وفيها بقع صغيرة مستديرة.

13

ولكن في اعتقادنا أن في اعتبار هذه الزخرفة أمارة للخزف الطولوني شيئا من الغلو؛ فإن هناك خزفا طولونيا ليست فيه هذه الزخرفة، أو فيه زخارف أخرى،

14

أو عليه زخرفة كتابية،

15

فضلا عن أن علي بك بهجت والمسيو ماسول لاحظا أن هذه الزخارف التي يحسبانها إشارة للخزف الطولوني موجودة على صور قبطية بالمتحف المصري.

16

أما رسوم الحيوانات على الخزف الطولوني فتقليدية جدا، كما أن الرسوم الآدمية ليست إلا رسوما أولية تحددها بضعة خطوط، والعيون فيها مستديرة أو لوزية الشكل، بينما الأنف يمثلها خطان عموديان متوازيان ينتهيان بدائرة تمثل الفم إن لم يكن هناك خط صغير يمثله، والزخرفة النباتية مكونة من أغصان نخل وأوراق شجر مدببة.

وفي أكثر القطع الخزفية الطولونية خط يحيط بالزخارف الرئيسية، فيكون منطقة تزين ما يخرج عنها بقطع ثلاثية الشكل، أو دوائر صغيرة في وسط كل منها نقطة.

17

وفي بعض القطع الطولونية زخارف تمثل أشخاصا لهم قبعات مدببة فارسية الأصل،

18

وقد كتب الأستاذ بيزار

M. PÉZARD

عن قطعة عليها إنسان يحمل علما.

19

وفي دار الآثار العربية صحنان من خزف ذي بريق معدني قد يكونا استوردا من العراق، أو صنعا في الفسطاط في أواخر القرن التاسع الميلادي تقليدا للخزف العراقي في سامرا، أما الصحن الأول؛ ففيه زخارف هندسية صفراء وسمراء، وعلى أرضيته البيضاء النقط المعروفة في زخرفة الخزف العراقي بسامرا،

الفن الإسلامي في مصر: من الفتح العربي إلى نهاية العصر الطولوني · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفن الإسلامي في مصر: من الفتح العربي إلى نهاية العصر الطولونيص ٣١