وليس مستحيلا أن تكون هذه التماثيل منقولة عن تماثيل أخرى تحدثنا المصادر التاريخية عن وجودها في سامرا،
13
ولكننا نظن أننا لسنا في حاجة إلى أن نذهب إلى هذا الحد، بينما نستطيع أن نرى النماذج التي يصح أن تكون هذه التماثيل قد أخذت عنها في مصر الفرعونية أو القبطية، ويكفي لترجيح هذا الرأي مشاهدة ما في المتاحف من تماثيل مصرية قديمة من الخشب المنقوش.
14
وفضلا عن ذلك فقد كان في مصر الإسلامية تماثيل قبل إنشاء سامرا، أو على الأقل قبل قدوم ابن طولون واليا عليها.
15
ومهما يكن من شيء فإنه من الخطأ أن نظن أن كنوز مصر الفرعونية كانت مجهولة في العصور الوسطى، ففي اعتقادنا أن أكثر أحاديث الكنوز التي ترد في كتب التاريخ والأدب عن مصر قد تكون اكتشافات أثرية.
بقي علينا أن نشير إلى الأخشاب الطولونية ذات الكتابات؛ فإن للجامع الطولوني طرازا من الخشب تحت السقف بأعلى الجدران، عليه كتابة من آيات قرآنية حروفها من الكوفي البسيط المعاصر لبناء الجامع، وقد نقشت هذه الحروف بارزة في الألواح الخشبية، وليست قطعا منفصلة ومسمرة في الخشب كما ظن كوربت بك.
16
وقد زعموا طويلا أن القرآن كله كان مكتوبا في الأزار، ولكن كوربت بك نفى احتمال ذلك مثبتا من عدد حروف القرآن وطول الأزار أن هذا لا يمكن أن يسع أكثر من 1/ 17 من القرآن الكريم .
17
وكتابات الجامع الطولوني ليس فيها عناصر زخرفية، فهي نموذج مما كان عليه الخط الكوفي قبل تطوره، والمعروف أن الحروف الكوفية لم يكن لها في القرن التاسع الميلادي المسحة الزخرفية التي اكتسبتها في العصور التالية، فإنها كانت لا تزال الحروف المربعة ذات الزوايا، بالرغم من أن الكوفي المشجر ثابت وجوده في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، كما يتبين من شاهد قبر محفوظ بدار الآثار العربية، وتاريخه 243 هجرية / 857م.
18
وفضلا عن ذلك فقد لاحظ فلوري
S. FLURY
استعداد الحروف للتحول إلى زخرفة في كتابة صغيرة تحيط بأحد الشبابيك الجصية المخرمة الموجودة في الجامع الطولوني.
19
وإننا في هذه المناسبة نشير بكلمة موجزة إلى تطور الخط العربي.
في القرن الأول الهجري استعمل في الكتابة على المباني والأحجار والنقود خط مربع ذو زوايا، نسب إلى مدينة الكوفة التي كانت مركزا هاما للحياة العقلية قبل بناء بغداد، بينما استعمل الخط المستدير في الكتابة على الرق، ولعل وجود الزوايا في حروف الخط الكوفي وغيابها في الخط المستدير راجع إلى طبيعة المواد التي اصطلح على أن يستعمل فيها كل منهما، ولكن من المحتمل جدا أن يكون القوم أرادوا أن يجعلوا الكوفي خطا رسميا له المقام الأول، كما يظهر من استعمالهم إياه في كتابة القرآن الكريم حتى على الرق وعلى الورق، بعد انتشار صناعته في الممالك الإسلامية.
وفي القرن الثاني للهجرة يزداد الفرق بين الخطين، وتظهر خصائص كل منهما واضحة جلية، وفي آخر هذا القرن تظهر صناعة الورق، ولكنها لا تنتشر في العالم الإسلامي إلا ببطء، حتى إنها لا تصل إلى مصر قبل منتصف القرن الثالث الهجري.
ومهما يكن من شيء فإن الكتابة المستديرة على الرق والبردي والورق أخذت تتطور في العصور التالية، حتى وصلت من الإبداع ومن الأهمية إلى الدرجة التي بلغتها الآن؛ حيث تعرف بالخط النسخي.
أما الكتابة الكوفية؛ فقد سلكت طريقا سار بها إلى أناقة زخرفية فائقة بما زينت به سيقان حروفها من رسوم نباتية، ونقوش هندسية، ولكن شكل هذه الحروف ما لبث أن بدأ في الاضمحلال والفساد ، حتى اختفت في القرن السابع (الثالث عشر الميلادي).
ولكنها كانت لا تزال في القرن الثالث خالية من أي مسحة زخرفية ظاهرة، وكان طبيعيا أن تتطور لعلاج عيوبها، والخضوع لقواعد الزخرفة الإسلامية التي تتطلب تقسيما متساويا للرسوم والنقوش على الأرضية المراد زخرفتها، فبدأ الخطاطون يملئون بالفروع النباتية المنطقة العليا من الكتابة، كما يظهر في اللوح التذكاري بالجامع الطولوني، وفي شواهد القبور التي ترجع إلى هذا العصر.