واستعمل الخشب أحيانا في صناعة محاريب منقولة، كالمحاريب الثلاثة المحفوظة بدار الآثار العربية، والواردة إليها من مساجد: الأزهر، والسيدة رقية، والسيدة نفيسة.
وقد وصلت إلينا قطع كثيرة من الخشب ذي الزخارف، أصلها من الأبنية أو قطع الأثاث، وأقدم هذه القطع يرجع إلى القرن الثامن والتاسع الميلادي، وقد وجد في القرافة القديمة بالفسطاط؛ حيث كان يستعمل - بعد كسره من الأبنية والأثاث - لمنع انهيار الأتربة في المدافن.
وطبيعي أن نشاهد التقاليد القبطية في صناعة هذه الأخشاب تتطور شيئا فشيئا لتصبح صناعة إسلامية حقة، فإنه لما كان العرب الفاتحون لا تقاليد فنية عندهم، ولم يكن منهم الفنانون الذين ينافسون الصناع الوطنيين أو يقضون عليهم؛ فقد كانوا من الحكمة والكياسة بحيث أقبلوا على استخدامهم غير عابئين ببقائهم على الدين المسيحي أو باعتناقهم الإسلام.
وقد وصل إلينا من عصر الانتقال (من القرن السابع إلى التاسع) قطع، زخرفتها مكونة من أوراق وعناقيد عنب، وغير ذلك من النقوش العزيزة على الفن الهللينستي، وفنون الشرق المسيحي.
5
وفي دار الآثار العربية قطع من هذا العصر كتب الأستاذ
PAUTY
عن بعضها.
6
وترى في زخارف هذه القطع فروع العنب وعناقيده، وفي القسم الإسلامي من متاحف برلين قطعة من هذا النوع عليها رسوم دقيقة.
7
وتظهر الكتابة الكوفية في هذا العصر، ولكن حروفها لا تصل فيه إلى ما وصلت إليه بعد ذلك من أشكال زخرفية جميلة.
8
ومهما يكن من شيء، فإن تطور الطراز القبطي في صناعة الخشب إلى الطراز الإسلامي البحت يقف في العصر الطولوني، غير قادر على مقاومة تيار آسيوي جارف، ولا غرو فإن الطولونيين قد تأثروا بسامرا وبالفن العراقي في هذا الميدان، كما تأثروا بهما في العمارة وفي زخرفة المباني.
وتملك دار الآثار العربية وبعض المتاحف والمجموعات الأثرية المصرية والأجنبية تربيعات من الخشب الطولوني، مصدرها إما المسجد الجامع أو القصور والأبنية الطولونية، ومن السهل تمييزها؛ لأن ما عليها من زخرفة محفورة بعمق في الخشب، تذكرنا بزخارف الطراز الأول من سامرا (انظر اللوحات رقم
31
و
33 ).
والأخشاب الطولونية تمثل طراز الحفر منحرف الجوانب، وتظهر فيها الصناعة الطولونية التي تخلق زخرفة من بضعة فروع وخطوط حلزونية تغطي الأرضية كلها، ويتجلى فيها الإبداع والبراعة النادرة.
9
وقد يغطي التربيعة من الخشب الطولوني رسم تخطيطي، أو آخر موضوعاته نباتية، تحيط به أشرطة من أقراص صغيرة محفورة، أو فروع مستديرة، أو مربعات، أو أشكال مستطيلة.
وفي متحف اللوفر بباريس قطعة من تربيعة من الخشب يرجع عهدها إلى العصر الطولوني، وتمثل زخرفتها طائرا تقليديا، جناحاه وساقاه على شكل فروع نباتية ونقوش حلزونية الشكل،
10
كما أن في دار الآثار العربية قطعة تمثل زخرفتها عصفورين متقابلين.
11 (انظر اللوحة رقم
32 ).
على أن في الأخشاب الطولونية أحيانا تقاليد قبطية ظاهرة، مما يثبت شيئا من المواصلة والمداومة في الفن المصري، دون إنكار التأثير العراقي الكبير الذي يميز هذا الفن في خلال العصر الطولوني.
وتقودنا إلى هذه النتيجة أيضا التماثيل الخشبية التي اتخذها خمارويه، والتي لا نعرف عنها إلا ما ذكره المقريزي عن وصف «بيت الذهب »، من أن خمارويه «جعل فيه على مقدار قامة ونصف صورا في حيطانه بارزة من خشب معمول على صورته، وصور حظاياه، والمغنيات اللاتي يغنينه بأحسن تصوير وأبهج تزويق».
12
ولكن عبارة المقريزي لا توضح هل كانت هذه التماثيل بارزة كلها ويمكن فصلها عن الجدران، أو كانت منقوشة عليها بالبارز وتكون جزءا لا يتجزأ منها، ولكن الفرض الأول أكثر احتمالا؛ لأن المقريزي يضيف على عبارته سالفة الذكر أن خمارويه «جعل على رءوس هذه التماثيل الأكاليل من الذهب الخالص الأبريز الرزين، والكودان المرصعة بأصناف الجواهر، وفي آذانها الأجراس الثقال الوزن المحكمة الصنعة، وهي مسمرة في الحيطان، ولونت أجسامها بأصناف أشباه الثياب».