تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولسنا نجهل أن رسم مثل هذه السرر كان شائعا في الفنون الهللنستية والعراقية والساسانية،

10

وهو يذكر بالسرر الكبيرة البارزة على جدران قصر المشتى التي يرجع عهدها أيضا إلى أوائل العصر الإسلامي، والمحفوظة الآن بالقسم الإسلامي في متاحف برلين.

11

وهناك صف من طاقات أخرى تدور حول جدران المسجد الأربعة، عقودها ستينية مرفوعة على عمد قصيرة متخذة في البناء نفسه، ومركب على هذه الطاقات شبابيك من الجص مخرمة على أشكال هندسية، وأكبر الظن أن أغلب هذه الشبابيك الجصية يرجع إلى بعد العمارة التي قام بها في الجامع الطولوني السلطان المملوكي حسام الدين لاجين، في القرن الثالث عشر. وقد لفت هرتز باشا

HERZ PACHA

النظر إلى ما يؤيد هذا من شبه بين زخرفة هذه الشبابيك، وزخرفة مدفن قلاوون.

والظاهر أن الأستاذ كريزول

CRESWELL

وفق إلى كشف أربع طاقات زخرفة شبابيكها الجصية القديمة دوائر متشابكة، نرى مثلها في زخرفة بواطن العقود، ومن ثم اعتقد الأستاذ أنها ترجع إلى العصر الطولوني.

12

وفي واجهات الأقواس زخارف تحيط بفتحاتها، ويتصل بعضها ببعض فوق تيجان العمد التي تحف بأركان الدعائم، فتكون طرازا قوامه فرع نباتي يحيط بزخارف نباتية مارا فوقها تارة وتحتها تارة أخرى، وبين الفرع الصاعد والفرع النازل ورقة شجر يخرج من أسفلها خطان لولبيان، ينتهيان بورقة عنب من أعلى، وعنقود عنب من أسفل. والملاحظ أن ورقة الشجر يكون منشؤها من الجهة السفلى دائما، فهي لا تبدأ إذن عند ملتقى الفرعين النباتيين إلا حين يكون التقاؤهما في الجهة السفلى.

13

ومهما يكن من شيء فإن الصناعة الزخرفية في هذا الطراز

fries

تذكرنا بما نعرفه من الزخارف في سامرا؛ فعنقود العنب وورقه، والخطوط اللولبية على شكل حرف

S ، والثقوب المستديرة في زوايا أوراق الشجر، كل هذا معروف لنا في الزخارف العراقية بسامرا.

والطراز الذي يدور تحت السقف قوامه شبه وريقات شجر

folioles

مرسومة بخطين، وتربطها من أسفل دوائر غير كاملة، وأقطار هذه الوريقات مبنية بحزوز عمودية، وفي مركز كل من هذه الدوائر غير الكاملة نقطة محزوزة حزا عميقا في الجص، كما يوجد نقطتان محزوزتان في الحافة العليا بين قمتي كل وريقتين. وفي دار الآثار العربية قطعة محفوظة من هذا الطراز الذي نجده أيضا في زخارف البيوت العراقية في سامرا.

ويؤكد الدكتور هرتزفلد أن زخرفة هذا الطراز موجودة في مصر منذ العصور القديمة، وأنها لم تبرحها قط، ولسنا نرى أن ذلك مانعا من الاطمئنان إلى القول بأن الطولونيين أخذوها فيما نقلوه عن فنون العراق.

والواقع أن الدكتور هرتزفلد كان يلح في القول بأن الفن الطولوني مأخوذ عما ازدهر في مصر من الفنون في العصرين القبطي والفرعوني، وكان إلحاحه هذا في مقاله الذي أشرنا إليه، والذي كتبه قبل أن يتاح له أن يكشف أطلال سامرا. ومهما يكن من شيء فإنه ليس من الغريب أن ترى في الزخرفة الطولونية عناصر قديمة أو قبطية؛ إذ لا شك في أن الفنون القديمة والبيزنطية هي المصدر الذي نقل عنه القبط كثيرا من أصول زخرفتهم: كورق الكرم، والخطوط اللولبية، والخطوط الهندسية المشبكة

entrelacs ، وغير ذلك،

14

بينما تسربت هذه الفنون إلى الزخارف الإسلامية؛ حيث نجد آثارها واضحة في زخارف المسجد الأقصى، وقبة الصخرة، وقصر المشتى، وقصر عمرا، ثم في أبنية سامرا.

15

أما الطراز الذي يحيط بطاقات المسجد فقوامه زخرفة قديمة عرفها وادي النيل منذ العصر الفرعوني، وظلت معروفة فيه في عصر الفاطميين والمماليك، وهي مكونة أيضا من شبه وريقات شجر مدببة من أعلاها، ولها قسمان مستديران من أسفلها، وفي وسطها حز عمودي. وقد كانت هذه الزخرفة معروفة في اليونان؛ حيث تظهر على الأواني الخزفية المتأثرة بالشرق في صناعتها، وظهرت بعد ذلك في الفن البيزنطي، ثم في سامرا حيث كانت فيها أقرب إلى الطبيعة منها في الزخارف الطولونية.

الفن الإسلامي في مصر: من الفتح العربي إلى نهاية العصر الطولوني · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفن الإسلامي في مصر: من الفتح العربي إلى نهاية العصر الطولونيص ٢١