16
ومهما يكن من شيء فقد استنتج الأستاذ فلوري من تحليله الزخارف الطولونية والعراقية: أن مصر رأت في العصر الطولوني ازدهار جميع الطرز الزخرفية التي ظهرت في سامرا، والتي اجتمعت كلها في بناء واحد هو الجامع الطولوني.
على أن هذه الزخارف النباتية التي ظهرت في سامرا معروفة لدينا في أماكن أخرى، فنحن نجد مثلا زخارف الطراز الثالث (طراز
A
في التقسيم الجديد) في جامع نايين بالقرب من مدينة يزد في شرقي بلاد إيران،
17
ثم نجدها أيضا في الدير القبطي المعروف بدير السرياني في وادي النطرون. ولعل خير وسيلة لرؤية ما بين هذه المراكز الثلاثة من قرابة كبيرة هي الإمعان في الصورة التي جمع فيها الأستاذ فلوري أهم عناصر زخرفتها.
18
وليس في الاستطاعة أن نعرف تماما إلى أي عصر يرجع جامع نايين، ولكن أكبر الظن أنه يرجع إلى أوائل القرن العاشر الميلادي، أما الزخارف الجصية في دير السرياني؛ فلا شك أنها متأخرة عن عصر ابن طولون.
وليس بعيد الاحتمال أن يكون عمال وطنيون قد قاموا بزخرفة هذا الدير بعد أن بلغت صناعة الجص شأوا بعيدا في العصر الطولوني،
19
ولكننا نعرف أيضا أن عمالا من نصيبين قد اشتغلوا في الدير المذكور بعد وفاة ابن طولون بخمس سنين.
20
أما تيجان الأعمدة التي وصلت إلينا من العصر الطولوني فقد سبقت الإشارة إليها حين تحدثنا عن تيجان المسجد الجامع، وذكرنا أنها مشتقة من التيجان الكورنثية، ترى في زخرفها ورقة النبات المسمى: شوك اليهود.
وليس خفيا أن المسلمين حين بدأوا في بناء المساجد، واتخاذ الأبنية العامة لم يكن لديهم طراز خاص في التيجان؛ فكانوا يستمدون من الكنائس والمعابد القديمة ما يحتاجون إليه من الأعمدة ذات التيجان القديمة.
وعلى كل حال فإن تيجان الجامع الطولوني فيها شيء من التنوع، وتلك التي تقوم عليها العقود الصغيرة فيها شبه كبير بتيجان وجدت في سامرا.
21
بقي أن نذكر أن في الزخارف الطولونية جانبا له طابع خاص لا يظهر فيه أثر الفن العراقي ظهوره في سائر فروع الفن الطولوني: تلك هي زخارف بواطن الأقواس؛ فقد كانت هذه البواطن مغطاة كلها بطبقة من الجص عليها زخارف جميلة أصاب أكثرها التلف، وبقي بعضها تحجبه عن الأعين طبقات من البياض، وقد كان جزء منها ظاهرا حين كتب بعض المؤلفين كتبهم في أواخر القرن الماضي، كما نرى من اللوحات الموجودة في كتابي كوست
COSTES
22
وبريس دافن
PRISSE D’AVENNES .
23
والصناعة الزخرفية في هذه النقوش قديمة، وموضوعاتها - من خطوط متداخلة (إنترلاك) وخطوط لولبية، ولآلئ وأشرطة، وخطوط منكسرة - كلها معروفة في الفن البيزنطي، ومنه تسربت إلى الفن القبطي وفنون العراق.
24
وقد حلل الأستاذ هوتكير
HAUTECOEUR ، والأستاذ فييت
WIET
هذه الزخارف تحليلا دقيقا لا نستطيع معه إلا أن نحيل القارئ إلى ما كتباه عنها.
وهذه النقوش تختلف في كل طاقة عن الأخرى، ولكنها في كل واحدة تتكون من موضوع زخرفي واحد متكرر تكرارا لا حد له، فهناك الدوائر المتماسة، والخطوط المتشابكة، ومتساويات الأضلاع المتداخل بعضها في بعض، وأكثر هذه الموضوعات الزخرفية معروفة في الفن العراقي بسامرا، ولكنها تبدأ في الفن الطولوني تزداد تعقيدا، تاركة بينها أقل ما يمكن من الفراغ. ومهما يكن من شيء فإننا نرى في الزخارف الطولونية طريقتين ظلتا عزيزتين على الفنانين المسلمين، أولاهما: جعل الموضوعات الزخرفية المتماثلة تتداخل بعضها ببعض، وثانيهما: وضع الموضوعات الزخرفية المختلفة جنبا لجنب.
25
وقد أشار الأستاذ هرتزفلد في مقاله
26
عن الأرابسك بدائرة المعارف الإسلامية إلى الزخارف الطولونية، ولاحظ أننا نشاهد في النقوش النباتية أن ورقة الشجر تكفي وحدها لتكوين الزخرفة، وأن السيقان تكاد تختفي تماما فتظهر كل وريقة كأنها تنشأ من وريقة أخرى، وأن السطح الذي عليه الزخارف يكون مغطى كله، فلا يكاد يظهر من الأرضية شيء، وهذا ما يمتاز به الفن الإسلامي من كراهية الفراغ في الزخرفة