وهذه القناطر التي شيدها ابن طولون تذكرنا بما عمله في أفريقية أمراء بني الأغلب من عيون ومجار تحضر الماء إلى مدينة القيروان من المرتفعات المحيطة بها.
28
البيمارستان
أما المستشفى الذي شيده ابن طولون؛ فلم يصل إلينا منه شيء، كما أن من تكلموا عنه من المؤلفين لم يتعرضوا لرسمه أو تخطيطه، فهم يكتفون أما القطعة الأخرى بإخبارنا أن أول من أسس دور المرضى في الإسلام هو الخليفة الوليد بن عبد الملك، وأن ابن طولون شيد مارستانا في العسكر، (وليس المقصود هنا بالمارستان أن يكون وقفا على المصابين بالأمراض العقلية) وأنه شرط ألا يعالج فيه جندي ولا مملوك، وأنه عمل حمامين للمارستان، أحدهما للرجال، والآخر للنساء، وشرط أنه إذا جيء بالعليل تنزع ثيابه ونفقته، وتحفظ عند أمين المارستان، ثم يلبس ثياب المستشفى، ويبدأ في علاجه حتى يبرأ، فإذا أكل فروجا ورغيفا أمر بالانصراف وأعطي ماله وثيابه.
وكان ابن طولون نفسه يركب في كل يوم جمعة، ويتفقد خزائن المارستان وما فيها، والأطباء والمرضى، فقال له مجنون مرة إنه يشتهي رمانة، فأمر له بها، ولكن المجنون غافله ورمى بها في صدره؛ فأمرهم ابن طولون أن يحتفظوا به، وأقلع عن زيارة المارستان.
29
هذا وقد روى المؤرخون أن ابن طولون حبس على مسجده الجامع وقناطره ومارستانه دخل بعض الأبنية، ولعل ذلك بدء نظام الوقف
30
الذي نعرف أهميته في الحياة الاجتماعية للإسلام، وفي ازدهار فنونه أو انحطاطها حسب ما يتوفر من المال للإنفاق عليها.
الفصل الرابع
| زخرفة المباني
إن تأثير الصناعة العراقية والفن الذي ازدهر في سامرا على الفن الطولوني أظهر ما يكون في هذه الناحية؛ أي في الزخارف التي وصلت إلينا في المسجد الجامع، أو في المنزل الطولوني الذي سبق الكلام عليه.
والواقع أنه من الصعب أن نسلم بصحة الرأي الذي ذهب إليه الأستاذ هرتزفلد
HERZFELD
منذ خمسة وعشرين عاما في مقاله عن قصر المشتى
1
Genesis der islamischen Kunst und das Mschatta
Problem ؛ فإنه بعد أن درس عدة زخارف طولونية وحللها تحليلا دقيقا، رأى أن موطن هذه الزخارف ومكان نشأتها إنما هو القطر المصري نفسه، فهذه الزخارف في رأيه جزء لا يتجزأ من مجموعة لها خصائصها، والأصل في صناعتها راجع إلى صناعة الحفر على الخشب. واستشهد الأستاذ هرتزفلد على صحة نظريته هذه بالأخشاب المحفورة التي كانت محفوظة في ذلك الوقت بالقسم القبطي بالمتحف المصري، وبالأخشاب الموجودة بدار الآثار العربية، وبعدة كنائس قبطية، وكان الدكتور هرتزفلد كبير الإيمان بهذه النظرية، مما تدل عليه عبارته الآتية:
2
Es ist kein Zweifel, die Ornamentik der Ibn Tulun-Moschee und ihr ganzer Formenkreis ist in Aegypten bodenständig. Sie ist die entwickelte aber noch spezifisch aegyptische Arabeske.
ولسنا ننكر أننا نستطيع أن نكشف عن أصول قبطية في العنصر الهندسي من الزخارف الطولونية، ولكننا نقول بأن مصدر العناصر الأخرى من هذه الزخارف هو الفن العراقي في سامرا، ولعل أكبر دليل على صحة قولنا هذا أن الدكتور هرتزفلد نفسه لم يفته أن يلاحظ الشبه والعلاقة بين الزخارف الطولونية وبين الزخارف التي كان له ولزميله الدكتور زره
DR. SARRE
فخر كشفها في سامرا بعد كتابة مقاله المذكور.
3
على أن هناك عالما آخر من علماء الآثار الإسلامية، هو الدكتور فلوري
DR. S. FLURY
درس زخارف الجامع الطولوني وعلاقتها بزخارف سامرا دراسة دقيقة، والنتيجة التي وصل إليها هي عكس ما وصل إليه الدكتور هرتزفلد، أو قل تخالفها كل المخالفة، فإن سامرا لم تكن قد كشفت بعد حين كتب هرتزفلد مقاله السابق.
والأستاذ فلوري يذهب إلى أن الزخارف الطولونية مأخوذة عن الزخارف العراقية في سامرا، وهو شديد التعلق بهذه النظرية، كبير الإيمان بأن كل ما في الجامع الطولوني من زخارف مصدره مدينة المعتصم: