وأما العمارة الحربية في العصر الطولوني؛ فإنه لم يبق من آثارها ما نستطيع به دراسة النظم التي اتبعها أحمد بن طولون وابنه خمارويه في تحصين القطائع والفسطاط وغيرها من المدن التي كانت معرضة لأن تكون ميدانا للقتال، بيد أننا نعلم أن ابن طولون لم يرد أن يجعل القطائع مركزا لمقاومة الجند الذين قاموا من العراق لإخضاعه، بل اتخذ في جزيرة الروضة حصنا، رأى أن يجعله معقلا لماله وحرمه، إذا أفلح موسى بن بغا وجنوده في دخول مصر.
وقد أشار محمد بن داود
23
إلى ذلك في إحدى قصائده التي يهجو فيها ابن طولون، فقال:
بنى الجزيرة حصنا يستجن به
بالعسف والضرب والصناع في تعب
له مراكب فوق النيل راكدة
فما سوى القار للنظار والخشب
يرى عليها لباس الذل مذ بنيت
بالشط ممنوعة من عزة الطلب
فما بناها لغزو الروم محتسبا
لكن بناها غداة الروع للهرب
24
ولسنا نريد أن ننتقل إلى الكلام عن زخرفة الطولونيين قبل أن نتحدث قليلا عن الأبنية التي شيدوها للمنفعة العامة، فإن مثل هذا الحديث لازم إذا أردنا أن نحيط بمبلغ تقدم العمارة في عهد أي أسرة من الأسرات الملكية في الإسلام؛ وذلك لأن الاهتمام بتشييد هذه الأبنية لم يكن عاما بين الأمراء، فضلا عن أن من الأبنية المذكورة ما كان تحفة فنية تستحق الإعجاب.
25
قناطر ابن طولون
شيد ابن طولون في الجهة الجنوبية الشرقية من القطائع قناطر للمياه، لا تزال بعض عقودها قائمة، وكان الماء يسير في عيونها إلى القطائع. وقد جرى المؤرخون وكتاب الخطط على سنتهم في نسج الأساطير والنوادر، فزعم القضاعي والمقريزي وغيرهما أن السبب في بناء هذه القناطر: أن ابن طولون خرج ذات يوم ومعه بعض حشمه وعسكره، ثم تقدمهم، فمر وقد كده العطش بموضع فيه مسجد صغير اسمه: مسجد الأقدام، وكان في المسجد خياط، فقال: يا خياط، أعندك ماء؟ فقال: نعم، فأخرج له كوزا فيه ماء، وقال: اشرب ولا تمد (يعني: لا تشرب كثيرا )، فتبسم أحمد بن طولون، وشرب فمد فيه حتى شرب أكثره، ثم ناوله إياه وقال: يا فتى، سقيتنا وقلت: لا تمد؟ فقال: نعم، أعزك الله؛ موضعنا هذا منقطع، وإنما أخيط جمعتي حتى أجمع ثمن راوية، فقال له: والماء عندكم ههنا معوز؟ فقال: نعم. فمضى أحمد بن طولون، فلما وصل إلى داره قال: جيئوني بخياط في مسجد الأقدام. فسرعان ما جاءوا به، وقال له الأمير: سر مع المهندسين حتى يخطوا عندك موضع سقاية ويجروا الماء، وهذه ألف دينار خذها. وابتدأ في الإنفاق، وأجرى على الخياط في كل شهر عشرة دنانير، وقال له: بشرني ساعة يجري الماء فيها، فجدوا في العمل، فلما جرى الماء أتاه مبشرا؛ فخلع عليه، واشترى له دارا يسكنها. وكان قد أشير على الأمير بأن يجري الماء من عين أبي خليد، فقال: هذه العين لا تعرف أبدا إلا باسم أبي خليد، وإني أريد أن استنبط بئرا؛ فعدل عن العين إلى الشرق، فاستنبط بئره وبنى عليها القناطر، وأجرى الماء إلى الحوض الذي بقرب درب سالم.
26
والظاهر أن بناء هذه القناطر تطلب مجهودا كبيرا، وأنها كانت من المتانة والإبداع بمكان كبير، ولا غرابة أن أشار إليها سعيد القاص في عدة أبيات من قصيدته التي رثى بها الدولة الطولونية، ومن هذه الأبيات قوله:
بناء لو ان الجن جاءت بمثله
لقيل لقد جاءت بمستفظع نكر
27
وروى المقريزي أيضا أن أسرة المادرائيين الشهيرة عملت على إنشاء مثل هذه القناطر، وأنفق أفرادها الأموال الكثيرة في سبيل ذلك دون أن يصلوا إلى تحقيقه.
وقناطر ابن طولون مبنية بآجر يماثل في الشكل والحجم آجر الجامع الطولوني، وأما عقودها فستينية أيضا كما يظهر، بالرغم مما عمل فيها من إصلاحات متأخرة.
والمعروف أن الذي تولى لابن طولون بناء هذه العيون هو المهندس النصراني الذي شيد له بعد ذلك المسجد الجامع، ويروي المقريزي أن هذا المهندس كان قد رأى في اليوم السابق لافتتاح هذه العيون موضعا يحتاج إلى قصرية جير وأربع طوبات، فبادر إلى عمل ذلك، وفي اليوم التالي أقبل أحمد بن طولون يفتتح القناطر، فأعجبه كل شيء، ثم أقبل إلى الموضع الذي فيه قصرية الجير، وحدث أن غاصت يد الفرس في الجير لرطوبته، فكبا بابن طولون، وظن هذا أن المهندس دبر له مكروها؛ فأمر به فشق عنه ما عليه من الثياب، وضربه خمسمائة سوط، وأمر به إلى المطبق حيث بقي إلى أن بلغه حديث الجامع، وعرض على الأمير أن يبنيه له بلا عمد إلا عمودي القبلة.