ولسنا نعرف تماما المصدر الذي أتى منه خمارويه بالزئبق لبركته هذه، ولكن أكبر الظن أنه أتى به من بلاد فارس التي أمدته أيضا بكثير من أنواع الشجر.
13
ومع أننا لا نشك في أن المقريزي قد بالغ في الوصف الذي نقله إلينا كل المبالغة، وأغرق فيه أيما إغراق؛ فإننا لا نستطيع أن نشك في صحته إطلاقا، لا سيما والمعروف أن العامة كانوا يعثرون في موضع البركة بعد خرابها على بقايا الزئبق الذي كان يملؤها.
14
ومهما يكن من شيء فإن ضاحية القطائع لم تبق طويلا مقر الأمير وحشمه ورجال حكومته فحسب، بل ما لبث أن اتسع نطاقها، وزادت عمارتها، وأصبحت مدينة كبيرة زاهرة، وأنشئت فيها المساجد الجميلة والحمامات، والأفران، والطواحين، والشوارع، والحوانيت، وغير ذلك مما يصفه لنا المؤرخون وأصحاب كتب الخطط.
أما العمارة المدنية الخاصة في العصر الطولوني، فإن آثارها تكاد تكون قد عفت كلها، ولم يبق لنا شيء للاستدلال به على بعض قواعدها وأصولها، اللهم إلا أطلال منزل طولوني عثر عليه أثناء أعمال الكشف والتنقيب التي قامت بها دار الآثار العربية في صيف سنة 1932 بالتلال المجاورة لأبي السعود.
15
وقد كشفت حفائر دار الآثار عن جدران جزء من دار كبيرة بالآجر، وعليها زخارف من الجص على النحو المتبع في سامرا، وفي الجامع الطولوني، وفي اعتقادنا أن هذه الزخارف كانت تغطي الأجزاء السفلية من الجدران، وليست الجدران كلها من أسفلها إلى آخر ارتفاعها كما زعم بعض الكتاب.
ومهما يكن من شيء فإن ما بين هذه الزخارف الجصية وبين زخارف سامرا من قرابة واضح جلي، ولسنا نذهب إلى أن زخارف البيت الطولوني مطابقة تماما لأي زخرفة من الزخارف التي وجدها الأستاذ هرتزفلد
HERZFELD
في سامرا، ودرسها في كتابه:
Der Wandschmuek der Bauten von Samarra und seine Ornamentik ، ولكن لا يستطيع أحد أن ينكر أنها كلها من أسرة الزخارف التي اصطلح على تسميتها زخارف الطراز الأول من سامرا.
هذا وقد كان أول ما كشف من جدران هذه الدار الطولونية حائط تعلو زخارفه الجصية كتابة كوفية بارزة، نصها الشهادتان، مما يدل على أنه كان جدار محراب، وعلى كل حال فإن الشبه بينه وبين محراب في الجامع الطولوني لا يدع مجالا للشك في صحة هذا الاستنتاج، وفي نسبة الدار إلى العصر الطولوني، ويؤيد ذلك سائر الزخارف.
وقد وجدت في أنقاض هذا البيت الطولوني قطع من الجص عليها زخارف بارزة، تذكرنا بأخرى في الأجزاء العلوية من جدران دير السرياني بوادي النطرون، الذي ستأتي الإشارة إلى زخارفه.
16
أما رسم البيت الطولوني فتسود فيه أيضا التقاليد العراقية، أو بالأحرى: الساسانية التي اتخذها مهندسو العراق، ولا سيما في سامرا عاصمة الخلافة، وليست متنزه الخلفاء العباسيين كما كتب أحد الزملاء!
17
والتي أخذها عنهم كثير من الأقاليم الإسلامية الأخرى. ويتلخص هذا النظام في قاعة طولها أكبر من عرضها، ويكتنفها من جانبيها حجرتان، فيتخذ المجموع شكل
T
في اللغات الأوروبية.
18
ويزين الفناء المكشوف فسقية تغذيها مياه تجري في أنابيب من الفخار، على النحو المتبع في أكثر البيوت التي كشفها في أطلال مدينة الفسطاط المرحوم علي بك بهجت.
19
على أن هذا النظام قديم كما ذكرنا، عرفه الفرس في عهد الأسرة الساسانية، وظهر في قصر شيرين
20
آخر الأبنية العظيمة التي تمت في عهدها، والذي شيده في العراق العجمي كسرى برويز إمبراطور إيران بين سنتي 590 و628. ثم ظهر النظام نفسه في قصر الأخيضر
21
الذي بناه العباسيون في القرن الثامن، ثم في قصور سامرا، وانتقل منها إلى مصر، ومن هذه إلى شمال أفريقيا حيث اتخذه البربر الخوارج
Sedrata .
22
ويجدر بنا قبل أن نختم الكلام على البيت الطولوني أن نشير إلى أنه تبادر إلى الأذهان حين الاكتشاف أن هذه الأطلال ربما كانت أنقاض دار الإمارة، ولكن لا يستطيع أحد أن يجزم بصحة ذلك، نظرا إلى أن مساحة البيت صغيرة لا تليق بدار للحكم، وإن كان ما فيه من زخارف جصية يرجح أن يكون صاحبه من ذوي الجاه واليسار.