تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

ولم يكن القوم في ذلك الوقت يعدون العسكر جزءا من الفسطاط، بل كانوا يعتبرونها مدينة قائمة بذاتها، كما اعتبروا القطائع بعد ذلك.

7

وظل أمراء مصر من قبل الخلفاء العباسيين ينزلون دار الإمارة بالعسكر، حتى قدمها أحمد بن طولون؛ فأقام فيها مدة، غير أنه كان لا مفر له من التحول عنها، فإن كثرة أتباعه وحاشيته وعظم البلاط الملكي الذي كان ينوي أن يتخذه ليفاخر به الخليفة نفسه، كل ذلك دعاه إلى أن يبني حاضرة تليق به.

بحث الأمير إذن عن مقر جديد لملكه، ووقع اختياره على المكان الواقع في سفح جبل يشكر، فأمر بحرث ما فيه من قبور اليهود والنصارى، واختط موضعها عاصمته الجديدة إلى الشرق من العسكر، والشمال الشرقي من الفسطاط؛ حيث يوجد الآن: قرة ميدان، والمنشية، وميدان صلاح الدين.

وكانت العاصمة الجديدة مثل سامرا، فيها قطيعة لكل طائفة من طوائف السكان، أقطعهم الأمير إياها حين قسم الخطط بين جنده ورجاله ومن احتاجوا إليهم من صناع أو تجار، فصارت كل قطيعة منها تضم من السكان من تجمعهم رابطة الجنسية أو رابطة العمل، وأصبح اسم القطائع علما على مدينة ابن طولون، بيد أنه كان معروفا كل المعرفة في سامرا؛ حيث كان يطلق على أحياء العامة، أو بالأحرى على المدينة كلها، اللهم إلا القصور الملكية.

وكانت كل قطيعة تعرف باسم من سكنها، فكانت هناك قطيعة الروم، وقطيعة السودان، وقطيعة البزازين، وقطيعة الجزارين ... إلخ، وقد نقل إلينا بعض مؤرخي العرب - ولا سيما من كتب منهم في الخطط - أحاديث أخرى تؤيد الصلة بين عمارة مدينتي القطائع وسامرا.

وإن كانت القصور الطولونية قد خربت وعفت آثارها؛ فإن أكبر الظن أن مهندسيها نحوا في بنائها نحو قصور الخلفاء في سامرا، كما فعل أيضا المهندسون الذين بنوا في أفريقية مدينة العباسية عاصمة بني الأغلب.

8

وكان لقصر أحمد بن طولون عدة أبواب كبيرة، لكل باب منها اسم يدل أحيانا على الجهة التي يؤدي إليها، أو على نوع الخدم الذين اختصوا به، وكان هذا كله متبعا في قصور سامرا.

أما أهم أبواب القصر الطولوني: فباب الميدان ؛ ومنه كان يمر الجند. وباب الخاصة؛ للمقربين من الأمير. وباب الصوالجة؛ يؤدي إلى الميدان الذي جعل لهذا الضرب من الرياضة. وباب الحرم؛ ولا يدخل منه إلا امرأة أو خادم خصي. وباب الصلاة؛ يوصل إلى جامع ابن طولون. وباب الجبل؛ تشرف عليه تلال المقطم. وباب الساج؛ نسبة إلى الخشب الذي اتخذ منه. وباب دعناج، وباب الدرمون؛ نسبة إلى حاجبين كانا يجلسان عندهما. وباب السباع؛ نسبة إلى سبعين كبيرين من الجبس كانا على جانبيه.

9

وقلد ابن طولون سامرا فيما اتخذه لقصره من ميدان كبير للعب الصوالجة.

10

وجاء بعده ابنه: خمارويه، فأخذ عن تلك العاصمة العراقية حدائقها الغناء؛ إذ زرع أنواع الرياحين، وأصناف الشجر، وأحضر كل صنف من الشجر المطعم العجيب، وغرس فيه الزهور، ثم بنى برجا من خشب الساج المنقوش اتخذه ليقوم مقام الأقفاص، وبلط أرضه، وجعل فيه جداول يجري فيها الماء المدبر من السواقي، وسرح فيه أصناف الطيور ذات الأصوات الجميلة.

وشيد خمارويه في بستانه هذا بيتا سماه: بيت الذهب،

11

ويحدثنا المقريزي عن جدرانه أنها كانت مطلية بطبقة من الذهب، فيها نقوش اللازورد، كما بنى في قصره الكبير قبة سماها الدكة، وجعل لها الستر الذي يقي الحر والبرد، فيسدل ويرفع حسب الحاجة، وكان خمارويه يكثر من الجلوس في هذه القبة ليشرف منها على جميع ما في داره، وعلى البستان والصحراء والنيل والجبل وجميع المدينة.

ويذكر المقريزي أيضا أن خمارويه جعل بين يدي قصره الكبير حوضا (فسقية) ملأه زئبقا، ويذكرنا ذلك بالحوض الذي كان يزين قاعة الاستقبال في قصر الخليفة بمدينة الزهراء.

12

ويزعمون أن السبب الذي حدا بالأمير إلى عمل هذا الحوض أنه كان مصابا بالأرق، فأشاروا عليه بالتكبيس، ولكنه أنف من ذلك قائلا: لا أستسيغ أن يضع أحد يديه على بدني، فأمره الطبيب بأن يتخذ هذه البركة، وطولها خمسون ذراعا في مثلها عرضا، وملأها من الزئبق، وجعل في أركانها سككا من فضة في زنانير من حرير في حلق من فضة، وعمل فرشا من أدم يحشى بالريح حتى ينتفخ، فيحكم حينئذ شده ، ويلقى على تلك البركة الزئبق، ويشد بالزنانير الحرير التي في حلق الفضة، وينزل خمارويه فينام على هذا الفراش، فلا يزال الفراش يرتج ويتحرك بحركة الزئبق ما دام عليه، وكان يرى لهذه البركة في الليل المقمرة منظر عجيب؛ إذا تآلف نور القمر بنور الزئبق.

الفن الإسلامي في مصر: من الفتح العربي إلى نهاية العصر الطولوني · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفن الإسلامي في مصر: من الفتح العربي إلى نهاية العصر الطولونيص ١٦