وفي تجويف المحراب الكبير كسوة من ألواح من الرخام الملون، فوقها نطاق من الفسيفساء المذهبة، ولكن هذه الكسوة والفسيفساء يرجع عهدها إلى زمن السلطان لاجين الذي جدد الجامع في سنة 1295 م/696ه.
وإذا استثنينا زخرفة المحراب القديم التي سيأتي الكلام عليها، فإنه لم يبق في محاريب الجامع الطولوني ما يهمنا الآن الحديث عنه، ولسنا نريد أيضا الكلام عن الذي عمل بالمسجد من عمارات وتجديدات، وما حل به من صروف الدهر،
52
ويكفينا أن نكرر ما ذكرناه من أن الجامع الطولوني قد احتفظ تقريبا بكل تصميماته الأولى، وأصبح البناء الوحيد الذي توافرت فيه هذه الشروط في مصر وسورية قبل العهد الفاطمي. ويلخص الأستاذ بريجز
BRIGGS
أهميته لدى علماء الآثار في العبارة التي ختم بها حديثه عنه، ونصها:
53
This absence of Arab monuments in Egypt and Syria prior to Ibn Tulun’s mosque and for a century after its completion makes it all the more an architectural landmark, standing in splendid isolation.
الفصل الثالث
| العمارة الحربية والمدنية
كانت العاصمة التي شيدها أحمد بن طولون قصيرة الأجل، وكانت انتصار الجند العراقية بقيادة محمد بن سليمان إيذانا بسقوطها بعد أن استباحوها، وألقوا النار فيها، فما لبثت أن تهدمت أبنيتها ولم يبق منها إلا المسجد الجامع.
ونذكر في هذه المناسبة ما يذهب إليه بعض العلماء من المبالغة في أهمية تغيير العواصم عند الشرقيين، مفسرين بعوامل سياسية وسحرية ما تشعر به الأسرات الملكية والأمراء من رغبة في هجر العواصم والقصور القديمة، وابتناء غيرها لإقامتهم.
1
والواقع أن تغيير العواصم هذا ليس كثير الوقوع جدا في الشرق، وفضلا عن ذلك فإنه مشاهد أيضا في الغرب قبل القرن التاسع عشر.
على أن هناك بناء آخر من العصر الطولوني لا يزال جزء منه قائما حتى اليوم، يؤيد ما نقله إلينا مؤرخو العرب عن تقدم فن العمارة عند الطولونيين، ذلك البناء هو: قناطر ابن طولون التي إذا استثنيناها لا يبقى لدينا من وثائق لدراسة العمارة المدنية والحربية في عهد الأسرة الطولونية، إلا ما كتبه المؤرخون ومؤلفو الخطط، ولا سيما المقريزي الذي نقل ما تركه الذين سبقوه من مؤلفي كتب الخطط: كالكندي،
2
وابن زولاق، والقضاعي، وابن دقماق.
فنحن والحالة هذه مضطرون إلى الاكتفاء بدراسة تكاد كلها تكون نظرية لتخطيط مدينة القطائع، ثم لأهم المؤسسات العامة التي شيدها ابن طولون، وهي: البيمارستان، والقناطر.
مدينة القطائع
3
إن تأسيس هذه العاصمة وتطورها يذكران تماما بتأسيس سامرا وتاريخها، فإن كان الخليفة المعتصم قد شيد سامرا فرارا من الفوضى التي كان يسببها جنوده وحراسه في بغداد؛ فإن ابن طولون فطن إلى هذا الخطر وعمل على درئه بتشييد ضاحية جديدة بالفسطاط، اتخذها حاضرة لملكه، كما اتخذها خلفاؤه من بعده.
4
وأكبر الظن أن هناك أسبابا أخرى دعت ابن طولون إلى تشييد ضاحيته الجديدة، من ذلك غرامه بالعظمة والأبهة، ورغبته في منافسة بلاط الخليفة العباسي.
ومهما يكن من شيء فإن مدينة الفسطاط كانت مقر أمراء مصر منذ اختطها عمرو بن العاص إلى أن قدمت جيوش العباسيين في طلب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية حين فر إلى مصر سنة 750 م/132ه، فعسكرت هذه الجيوش في الصحراء بظاهر الفسطاط؛ إما لرغبة في نوع من التجديد، أو لاضطرار إليه بسبب حريق يقال إن مروان بن محمد أضرم نارها في الفسطاط.
5
وما لبثت المساكن أن تجمعت حول الجند أو حول دار الإمارة، وهي الدار التي بناها قائدهم صالح بن علي؛ لتكون مقر الحكومة. وفي سنة 785 م/196ه بنى الفضل بن صالح جامعا، وتم بذلك تخطيط الضاحية الجديدة التي عرفت: بالعسكر، والتي كانت تمتد في ذلك الوقت على شاطئ النيل قبل أن تنحسر مياهه عن المرتفع المشيد عليه جامع عمرو، وتبتعد عنه تدريجيا نحو خمسمائة متر.