42
وقد احترقت الفوارة المذكورة سنة 896م/376ه وبنيت أخرى عوضا عنها في حكم العزيز بالله الفاطمي سنة 995م/385ه.
المحراب
لم تكن المحاريب - لتحديد اتجاه مكة - معروفة في أول الإسلام، وكان المقصود باللفظ قصرا، أو جزءا من قصر، أو مكان النساء في البيت، أو طاقة فيها تمثال، وهناك على هذه الاستعمالات شواهد عدة، بينها الأستاذ بدرسن
PEDERSEN
عند الكلام على المحاريب في المادة: «مسجد» بدائرة المعارف الإسلامية.
43
واستعمل اللفظ في القرآن الكريم للدلالة على بعض هذه المعاني، كما استعمل أيضا بمعنى: المعبد؛ كله أو الجزء المعد فيه لإقامة الصلاة، ومن ذلك قوله عز وجل:
فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ،
44
وقوله تعالى:
فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين .
45
وليس من شك في أن المسلمين أدخلوا في مساجدهم المحراب بالمعنى الذي نعرفه الآن؛ متأثرين بعمارة الكنائس عند المسيحيين، وبالحنية التي توجد في صدر الكنيسة، ويسمونها بالفرنسية:
abside .
46
ومما يستحق الذكر أن هذه الحنيات يكون اتجاهها في الكنائس غالبا إلى جهة الشرق، أي: جهة بيت المقدس. وقد فطن كثيرون من مؤلفي العرب إلى أن المحراب متخذ من حنية الكنيسة، وما لبثوا أن استخرجوا حديثا نسبوا فيه إلى النبي
صلى الله عليه وسلم
أنه قال: «إن ظهور المحاريب التي تجعل المساجد تشبه الكنائس علامة من علامات الساعة».
47
وكتب بعض العلماء في ذلك، فألف السيوطي مثلا رسالة سماها: «إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب».
48
وليس علماء الآثار متفقين في تحديد التاريخ الذي بدأ فيه استعمال المحاريب في المساجد، ولكن أكثرهم يعتقد أن ذلك كان في عصر الوليد بن عبد الملك (755-715) حين اتخذ عمر بن عبد العزيز عامله على المدينة محرابا في مسجدها، ويروون أيضا أن قرة بن شريك، عامل الوليد على مصر من سنة 709 إلى سنة 715 هو الذي أدخل المحراب في مساجدها.
49
على أن هناك مساجد متأخرة لا محراب فيها، ومن ذلك: الجامع القديم الذي بني بضريح الشيخ صفي الدين بأردبيل، في القرنين السادس عشر والسابع عشر، والذي لا شيء يحدد اتجاه القبلة فيه إلا مدخله، وأكبر الظن أيضا أن جامع أبي دلف بسامرا لم يكن له أي محراب.
50
ومهما يكن من شيء فإن في الجامع الطولوني ستة محاريب، لا يهمنا الآن إلا اثنان منها: الكبير، وهو الذي كان موجودا في عصر ابن طولون، وقد عملت فيه إصلاحات عديدة، ثم محراب قديم بقيت فيه زخارف طولونية متأخرة.
ويروي المقريزي أن مجلسا عقد في عصر الناصر محمد بن قلاون؛ للنظر في أمر المحراب الكبير، وأجمع أعضاؤه على أنه منحرف عن خط سمت القبلة إلى جهة الجنوب مغربا بقدر أربع عشرة درجة.
51
وذكر المقريزي في سبب هذا الانحراف: أن ابن طولون حين عزم على تشييد جامعه بعث إلى محراب جامع المدينة من أخذ سمته، فإذا هو مائل عن خط سمت القبلة المستخرج بالطرق الهندسية بنحو عشر درجات إلى جهة الجنوب؛ فوضع حينئذ محراب مسجده هذا مائلا عن خط سمت القبلة إلى جهة الجنوب نحو ذلك؛ اقتداء منه بمحراب مسجد الرسول، وقيل أيضا: إن ابن طولون رأى النبي
صلى الله عليه وسلم
في منامه يخط له المحراب، فلما أصبح رأى النمل قد طاف بالمكان الذي خطه له النبي، فبنى المحراب على خط النمل، وغلب عليه طويلا اسم: محراب النمل.
وقد وصل إلينا المحراب الطولوني بعد عمارة السلطان لاجين في حالة جيدة من الحفظ، فأجزاؤه القديمة وزخرفته تكاد تكون كلها موجودة، ويلاحظ أن عمق تجويفه في الجدران أكثر من عمق المحاريب الأخرى، ويكتنف هذا التجويف من كل من جانبيه عمودان متلاصقان ومرتد أحدهما عن الآخر، وتيجان هذه الأعمدة صناعتها بيزنطية، وبينها وبين الأبدان توافق وتناسب حسن، وأكبر الظن أنه لم يصنع من هذه الأعمدة خصيصا للمحراب إلا قواعدها، أما بقية أجزائها فقد جمعت من أبنية قديمة، والتيجان الأربعة من الرخام المفرغ، كل اثنين منها متشابهان، وصناعتها غاية في الدقة والإبداع، تتجلى في التزهير الموجود في اثنين منها، وفي عمل السلة والتوريق في التاجين الآخرين، مما يوهم الناظر أن ما يراه من الجص لا من الرخام.