تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا ولا تزال أطلال المنارة التي بناها المتوكل في سامرا موجودة، وتعرف باسم: المنارة الملوية، وليس الشبه تاما بينها وبين منارة الجامع الطولوني؛ فإن بناء الأولى حلزوني من أسفلها، يدور ست مرات صاعدا بانحدار قليل، يقوم مقام الدرج الذي نراه في المنارة الطولونية، التي تمتاز فوق ذلك بقاعدتها المربعة.

34

ومما يستحق الذكر أننا نجد عن الخليفة المتوكل والمنارة الملوية بسامرا نفس القصة التي تروى عن ابن طولون ودرج الورق الذي كان يلهو به ثم جعله نموذجا للمنارة.

على أن بعض علماء الآثار فطن إلى أوجه الشبه بين منارات المسجد الجامع بسامرا، ومسجد أبي دلف، والمسجد الطولوني، وبين المعابد القديمة التي اتخذها السومريون في بلاد الجزيرة، والتي تعرف باسم الزيجورات

Ziggourats ،

35

أو معابد النار التي كانت للساسانيين، والتي تعرف باسم: اتشكاه.

36

ولا يتطلب ذلك أن نستبعد أن يكون المهندس نصرانيا عراقيا، وأن نظنه من المجوس،

37

فإن الفنون الإسلامية فيها من الذكريات الساسانية ما يجعلنا لا نجزم بمجوسية المعمار أو الفنان كلما وجدنا في الأبنية أو التحف الأثرية بعض التأثير الإيراني القديم.

ولاحظ بعض العلماء أن هناك شبها بين منارة الجامع الطولوني وبين فنار الإسكندرية الذي ورد ذكره في كثير من المؤلفات العربية، والذي وصفه المقريزي بأنه: «ثلاثة أشكال: فقريب من النصف وأكثر من الثلث مربع الشكل، بناؤه بأحجار بيض، ثم بعد ذلك مثمن الشكل مبني بالحجر والجص، وأعلاه مدور».

38

وأشار الدكتور كونيل

DR. KÜHNEL

إلى الشبه الموجود بين المنارة الطولونية، وبين كثير من المباني الصينية التي يرجع عهدها إلى أسرة طانج

TANG

39 (618-907م).

ولسنا نريد أن نتحدث هنا عن التعديلات التي أدخلت على المنارة، ولا عن العقدين اللذين يصلانها بالمسجد؛ فذلك كله يرجع إلى زمن متأخر، ولا يتعلق بالعصر الذي ندرسه الآن.

القبة القائمة وسط الصحن

نرى الآن في وسط صحن الجامع الطولوني ميضأة مرفوعا عليها قبة، كان قد تهدم بعض أجزائها فأصلحته لجنة حفظ الآثار العربية فيما جددته في الجامع المذكور.

ومهما يكن من شيء فإن هذه القبة لا يرجع عهدها إلى العصر الطولوني، بل أمر بإنشائها السلطان لاجين حين عمر الجامع سنة 1296، وعلى ذلك فهي لا تدخل في الدراسة التي نحن بصددها الآن.

ولكن المعروف أن ابن طولون حين شيد الجامع جعل في وسطه بناء وصفه المقريزي بعبارة مضطربة، فقال: «قبة مشبكة من جميع جوانبها، وهي مذهبة على عشرة عمد رخام، وستة عشر عمود رخام في جوانبها، مفروشة كلها بالرخام، وتحت القبة قصعة رخام فسحتها أربعة أذرع، في وسطها فوارة تفور بالماء، وفي وسطها قبة مزوقة يؤذن فيها، وفي أخرى على سلمها، وفي السطح علامات الزوال، والسطح بدرابزين ساج»، ولعل المقصود بذلك كما كتب الأستاذ عكوش: أن هذا البناء كان على شكل مخمس، ترتكز كل زاوية من زواياه على عمودين، وحول ذلك مثمن محمول على عمد بالترتيب السابق، وتحت القبة قصعة من رخام، قطرها أربعة أذرع (أعني مترين وثلاثين سنتيمترا)، وفي وسطها فوارة. والظاهر بالرغم من اضطراب عبارة المقريزي وغموضها أن سطح المثمن كان محوطا بدرابزين ساج، ويستعمل للأذان، وقيل: بل كان المستعمل لذلك السلم، وكانت على القبة علامات الزوال.

40

وأكبر الظن أن تلك الفوارة لم تتخذ في الصحن إلا للزينة؛ فإنها لم تستعمل للوضوء، بدليل ما روي من أن ابن طولون لما فرغ من بناء الجامع، دس عيونا لسماع ما يقوله الناس من العيوب فيه، فسمعوا رجلا يقول إن المسجد تنقصه ميضأة، فقال له ابن طولون: أما الميضأة فإني نظرت ما يكون بها من النجاسات فطهرته منها وأنا أبنيها خلفه. ثم أمر ببنائها،

41

كما شيد أيضا خزانة شراب جمع فيها الأدوية والأشربة، وجعل على خدمتها طبيبا يجلس يوم الجمعة لإسعاف من يصاب بأي حادث من المصلين.

الفن الإسلامي في مصر: من الفتح العربي إلى نهاية العصر الطولوني · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفن الإسلامي في مصر: من الفتح العربي إلى نهاية العصر الطولونيص ١٣