الفصل الحادي والخمسون
| حديث المؤلف مع جريدة الأخبار
قالت جريدة (الأخبار) العراقية الغراء:
كان لصدور كتاب (عبقرية الشريف الرضي) الذي أتحف القراء به حضرة الأديب الكبير الدكتور زكي مبارك أستاذ الأدب العربي في دار المعلمين العالية رنة استحسان في مجتمعنا الأدبي ودوي في محافل الفكر.
وقد قصد مندوب جريدة (الأخبار) المؤلف الدكتور زكي وسأله أفانين من الأسئلة حول الموضوع، وفيما يلي خلاصة حديث الأديب المبارك: (س1)
لماذا بدأتم بالشريف الرضي؟
لذلك تاريخ قديم، فقد كان الأدباء في مصر يختلفون حول أبي تمام والبحتري والمتنبي، وكنت وحدي أقدم الشريف الرضي على هؤلاء الشعراء، وأثر هذا التقديم واضح في كتاب (مدامع العشاق) الذي طبع مرتين، وهو يشهد بإعزازي للصديق العظيم محمد بن الحسين، ولما قدمت بغداد رأيت الفرصة قد سنحت لإنصاف هذا الشاعر المظلوم الذي غفل عنه الناقدون. (س2)
هل تعتقد أن الشريف الرضي كان منسيا؟
إرجعوا إلى المؤلفات الحديثة التي دونت أخبار الشعراء تروا أن الشريف الرضي لم ينل بعض حقوقه في الحياة الأدبية، ويكفي أن تذكروا أن كتاب (الوسيط) لم يشر إليه، وكتاب الوسيط ألف لغاية واضحة هي تعريف الشبان المصريين بأهم الشخصيات التي كان لها سلطان في عالم الشعر والأدب والبيان. (س3)
ما هي أهم النواحي الذوقية في حياة الشريف؟
كان القدماء يرون أنه أشعر الناس في «الحجازيات»، وأرى أن أهم النواحي في شعره هي «المعالي» وأعتقد أنه أعظم شاعر وضع دستورا لحياة الفتيان، وأكاد أجزم بأنه أكبر شاعر صور الضجر من حياة الخمول، فالشريف الرضي شاعر ثائر يدعو إلى تحطيم قيود الذل والاستعباد، ونواحي الرجولة قد اكتلمت فيه كل الاكمال، فهو رجل له صبوات وآمال، هو عاشق وفارس ومؤمن وزعيم، هو رجل يجمع بين المرارة والحلاوة والعنف والرفق، هو شخصية عراقية تقسو فتكون أعنف من الجحيم وترق فتكون أرفق من النسيم. (س4)
ما هو الأسلوب الذي اخترته في التأليف؟
لقد أقمت كتابي على غير مثال سبق، وأنا أحرص كل الحرص على أن تكون مؤلفاتي ألوانا مختلفات، وأحب أن ألقى قرائي في كل كتاب بأسلوب جديد، والتأليف عندي فن من الفنون فلكل كتاب ضرب من التصميم، ولون من التصوير، واختلاف الموضوعات يوجب ذلك، فللمؤلفات الأدبية لون، وللمؤلفات الفلسفية لون، فلي في كتاب (الأخلاق عند الغزالي) شخصية غير شخصيتي في كتاب (النثر الفني) وكذلك كان كتاب (عبقرية الشريف الرضي) صورة جديدة تخالف سائر الصور فيما نشرت من مؤلفات. (س5)
قلت إنك سايرت الشريف الرضي مسايرة الصديق للصديق، فما معنى ذلك؟
تلك خطتي في التأليف، فأنا أهتم بارتياد المجاهل من حيوات الشعراء وأحرص على التعرف إلى ما عندهم من ميول وأذواق وأهواء، وأنا بكل صراحة أعتقد أن لا بد للناقد من أن ينسى شخصيته ويفني في شخصية الشاعر الذي يدرسه بحيث يبصر بعينه، ويسمع بأذنه، ويفقه بقلبه، ليسبر أغوار نفسه، ويرى مبلغ شعوره بما وصف من الأشياء. (س6)
كيف كانت إحساساتكم عند تأليف ذلك الكتاب؟
كنت في حالة نفسية تشبه تمام الشبه أحوال الشريف في دنياه، وقد تفتح قلبي تفتحا لم أعهده من قبل، فأنشأت في أشهر قلائل ألوفا من الصفحات، وأصبح من المقرر عندي أن الشريف شاعر يوحي، والشاعر الذي يوحي هو الشاعر الحق، وأنا أؤمن بأن كتابي عن الشريف سيخلق نهضة أدبية وذوقية وفنية، وسيكون له تأثير شديد في توجيه التأليف وجهة جديدة سترون شواهدها بعد قليل. (س7)
دعوت في آخر كتابك للاحتفال بمرور ألف سنة على ميلاد الشريف، فماذا توصي به في هذا الشأن الخطير؟
إن إحياء الذكريات لون من حياة المجتمع الإسلامي، ولكنه كان مقصورا على الشخصيات الدينية، ونحن قد أخذنا عن أوربا الاحتفال بالشخصيات الأدبية والفلسفية، ولعل ذلك التقليد وقع في مصر أول مرة حين احتلفت الجامعة المصرية بإحياء ذكرى الأعضاء المؤسسين، فقد كان معالي الأستاذ أحمد لطفي السيد باشا يلقي علينا محاضرة في كل سنة عن قاسم أمين، ثم توسعت الجامعة المصرية فاحتفلت بذكرى رينان ومحمد عبده والجاحظ والمتنبي، وشاعت هذه البدعة الجميلة في سائر الأقطار العربية، وكان للعراق نفسه نصيب من إحياء ذكرى المتنبي، فمن الواجب أن ينتهز الفرصة التي ستسنح بعد عام ونصف للاحتفال بمرور ألف سنة على ميلاد الشريف الرضي، وإني لأرجو أن يكون احتفالا عالميا تشترك فيه سائر الأمم العربية، ويكون فيه للفن نصيب مرموق: ففي ديوان الشريف قصائد كثيرة تصلح للغناء، ومن الواضح أن أمثال هذه الاحتفالات تنفع في إحياء الدراسات الأدبية، وتوجه الباحثين إلى أفانين من شائق البحوث. (س8)