فمتى أرجع إلى أطفالي ليرجع الراديو إلى بره المألوف؟ •••
والطفل كثير الاعتداد بالنفس، وهو لا يصادق من يعدون عليه الذنوب، ونحن خليقون بالتغاضي عن هفوات أطفالنا، لأنها في الأغلب هفوات طبيعية، ولأن هؤلاء الأطفال سيدخلون دنيا الناس بعد حين، وسيشربون الصاب والعلقم من أيدي الأصدقاء المزيفين، سينتقل هؤلاء الأطفال إلى دنيا خسيسة لئيمة لا كرم فيها ولا رفق، سينتقلون إلى صحبة ناس لا يسترون عيوبهم، ولا يغفرون ذنوبهم، فلتكن صحبتهم إيانا هي الموسم الطيب الذي يرونه في الحياة.
ولنتذكر أن الأطفال الصغار ليسوا أعقل من الأطفال الكبار فقد كان لي صديق أثق بعقله وكرمه ونبله، ثم اتفق أن أداعبه فأذكر أنه دميم الوجه، والدمامة لا تعيب الرجال، فغضب وشتمني أقبح الشتم في إحدى الجرائد، وعنه تلقيت درسا لن أنساه، وهو أن الأطفال الكبار أقل عقلا من الأطفال الصغار في بعض الأحيان ومزاحهم ثقيل ممجوج.
وأطفالنا سيلقون هذه المكاره بعد حين، فلنعطف عليهم، ولنذكر أننا نلقيهم إلى دنيا غادرة لا يحفظ فيها تاريخ إنسان إلا إن لطخ يده بدماء الأبرياء.
الطفل يحب أن تكون له أخلاق الرجال وشمائل الرجال، ولن نظفر بمودته إلا إن منحناه الثقة بمواهبه العالية. فما الذي يمنع من النزول عند إرادته عساه يستفحل ويستأسد؟
الطفل يحب أن نثق بأنه أجمل الناس وأذكى الناس. فما الذي يمنع من أن نقوله له صدقت أيها الذكي الجميل؟!
إننا ننخدع كارهين للأطفال الكبار وهم الرجال، فما الذي يمنع من أن ننخدع طائعين للأطفال الصغار وهم الأبناء؟
سيداتي وسادتي
اسمحوا لي أن أعتب عليكم بعض العتب.
لقد مضت أجيال وأجيال ونحن نفرق بين الذكور والإناث، وقد شهدت بذلك آثار العرب واليهود والهنود.
فهل آن أن نعرف كيف نحب أطفالنا من البنات؟
إن البنت مخلوق نفيس وهي مصوغة من الروح والوجدان.
إن البنت هي سر الوجود، ولكن أين من يفهم المعاني؟
إن البنت هي مصدر الرفق والعطف والحنان.
إن البنت هي أصل ما نملك من الرزق لأنها ضعيفة، والله يرزقنا بفضل ما في بيوتنا من الضعفاء.
إن البنت هي التي تعرف كيف تواسي أباها أو أخاها أو زوجها وهو على فراش الموت، فاحترموا البنت وأعزوها واجعلوها من كرام الأصدقاء.
هل قرأتم سيرة المسيح؟
لقد شاء الله أن يكون ذلك النبي ابنا لامرأة تنكر لها أهلوها ليريكم أن الأمر بيد الله لا بيد الناس.
أراد الله أن يعلمكم أن تقاليدكم خداع في خداع، وأنكم لم تروا من بحار الحقائق غير أوشال.
وقد سمعت أن ناسا من الإنجليز يتطاولون على «العذراء» في حديقة، هايد بارك فليتطاولوا كيف شاءوا، فستبقى العذراء عذارء، وإن نطحوا بقرونهم رواسي الجبال.
سيداتي وسادتي
صادقوا أطفالكم وأطفال من تعرفون بلا تحفظ ولا تهيب ، فالطفل هو الزهرة الكريمة التي تنبت في الصحراء.
الطفل هو أطيب ما في الوجود، وهو الصديق الحق لو تعلمون.
الطفل هو الذي يقبل وجوهكم برفق وعطف، وكل مودة غير مودة الطفل هي رياء في رياء.
الطفل هو المؤمن بالوداد ومن سواه كفار جاحدون.
قبلة الطفل صدق في صدق، وصداقة الطفل إيمان في إيمان. فإن فاتتكم تلك القبلة وهذه الصداقة فستعيشون محرومين.
الطفل مخلوق لطيف لم يطلع على سفه الدنيا ولؤم الزمان.
الطفل يثق ويوقن، فأفهموه أنكم أهل للثقة واليقين.
الطفل يشتهي أن يحب فأحبوه.
الطفل يطمئن إليكم، فاطمئنوا إليه.
الطفل يتوكل عليكم، فتوكلوا على الله واعطفوا عليه.
الطفل يتوهم أنكم ناس، فأفهموه أنكم ناس.
الطفل هو نعمة الله فلا تجحدوا نعمة الله.
أما بعد، فإن الظفر بصداقة الطفل أمر سهل عند من يفهم أسرار الغرائز والميول، ولكنه صعب جدا على من ينتظر من الأطفال أن يفكروا بعقول الرجال.
فارجعوا إلى طفولتكم حين ترون أطفالكم لتذوقوا معاني السعادة من جديد، ولتنسوا في صحبتهم متاعب الجد الرزين.