كيف رأيتم استقبال الرأي العام لكتابكم الجديد؟
ضاق وقتي عن تذكير الرأى العام بكتابي فلم أهد إلى الصحفيين العراقيين غير نسخ معدودات، وفي العراق جرائد ومجلات لم أهد إليها الكتاب، مع أن فيمن تغافلت عنهم أصدقاء فضلاء، ولعلهم يعتبون ويلومون ولكنهم سينسون هذا التغافل حين يتذكرون أني كنت مشغولا بتلاميذي، على أن هذا لم يمنع من أن يكون كتاب (عبقرية الشريف الرضي) أول كتاب شعرت بوصوله إلى أفئدة القراء بسرعة بعد كتاب (النثر الفني) فقد وزعت مئات النسخ في بضعة أسابيع، وسيكون له مجال حين يصل إلى مصر، فالصحافة المصرية تهتم بحياة التأليف أكثر مما تهتم الصحافة العراقية، وكأن أهل العراق يعرفون ذلك، فهم يتسامعون بأخبار الكتب الجديدة قبل أن تحدثهم عنها الجرائد والمجلات. (س9)
هل أستطيع أن أسأل كيف قضيتم عامكم هذا في بغداد؟
أنا ما قضيت عاما في بغداد، وإنما قضيت في بغداد لحظات ستكون ذخيرتي من الأنس فيما بقى من حياتي، وما عرفت معنى الحياة إلا في بغداد، فقد قضيت جميع تلك اللحظات والقلم في يدي، واستطعت أن أشغل طوائف من الجرائد والمجلات في مصر والعراق ولبنان، وأستطيع أن أصرح بأنني أول موظف تلطفت معه حكومة العراق، فلم يسألني أحد عما أنشر من المذاهب والآراء، وقد ظن بعض من لا يفهمون أن حكومة العراق سكتت عني لمكانتي الأدبية، والرأي الحق أن حكومة العراق سكتت عني لأنها تعرف أني من أصدق أصدقاء العراق. (س10)
من هو الشاعر الذي ستدرسونه في العام المقبل؟
العام المقبل في ضمان الله، فقد اعتذرت عن مواصلة العمل بدار المعلمين العالية في العام المقبل، لأنني أريد أن أطبع كتاب «التصوف الإسلامي» الذي نلت به الدكتوراه في الفلسفة من الجامعة المصرية برتبة الشرف، وهو لا يطبع في غير القاهرة لأسباب فنية.
وبهذه المناسبة أوجه أصدق الثناء لمن عز عليهم أن أحرم من هواء بغداد في العام المقبل، ولا يعزيني عن فراقهم إلا يقيني بأن بغداد ستكون في أكرم المنازل من قلبي، وسأذكر أني احتملت مشاق السفر لأرى قبر أبي تمام بالموصل، ولأهيء نفسي لتأليف كتاب عن عبقرية الشاعر الذي أعز دولة الشعر في القرن الثالث، فإن ترفقت شواغلي بمصر وسمح أطفالي بالرجوع إلى بغداد فسأقيم موسما ثانيا للشاعر الجميل الذي اسمه حبيب، وإن كان هذا آخر العهد بتنسم هواء بغداد فإني أؤكد لكم أنني سأقصر جهودي وأنا بمصر على الاهتمام بالآثار الأدبية لأهل العراق، وسيكون شعاري قول جميل في خطاب بثينة:
فإن كنت لما تعلمي العلم فاسألي
وبعض الرجال للرجال رموق
سلى هل قلاني من خليل صحبته
وهل ذم رحلى في الرفاق رفيق
وهل يجتوي القوم الكرام صحابتي
إذا اغبر مخشي الفجاج عميق
والسلام عليكم وعلى العراق ورحمة الله.
الفصل الثاني والخمسون
| من العمامة إلى الطربوش ثم إلى القبعة فالسدارة
أخي الأستاذ طاهر الطناحي
لا أدري والله كيف خطرت ببالك، وأنا الصديق الذي نسيه الأهل والأحباب.
حدثكم الأستاذ محمود عزمي أنني لبست السدارة فتذكرتموني؟
وهو كذلك!
أما أنا فتذكرتك في طريقي إلى البصرة وطن العلم والشعر والخيال، فقد كانت مجلة «الدنيا المصورة» أنيسي في ذلك الطريق الطويل، وكانت الشاهد على أن مصر تؤدي دينها إلى العراق، العراق الذي أحبكم ورعاكم، إن كنتم تستحقون الرعاية والحب، يا أشقياء!
وإنما غمزتكم هذه الغمزة لأذكركم بواجبكم نحو العراق، فقد أصبحت أغار عليه كما أغار على وطني، وأرى من حقه عليكم أن تكونوا أسبق الناس إلى تسجيل أعماله الصالحات، فلمجلاتكم بالعراق مكان مرموق، وما يجوز لكم أن تقابلوا الجميل بغير الجميل.
وبعد، فقد آن أن أدخل في صميم الموضوع فأقول:
إنني تقلبت في ملابسي من حال إلى حال، فكنت أولا ألبس الطاقية والجلابية، وذلك ما لم تسألوني عنه، مع أنه لباس الفلاحين المصريين، ولباس أهلي في سنتريس، ولعلكم ظننتم أنني أتنكر للنشأة الأولى، فرأيتم من الذوق أن تسكتوا عن ذلك العهد، وقد صقلتكم المدنية فحرصتم على الذوق وهو عندكم يوزن بميزان الذهب، وغيركم يكيله بالمكيال، حفظكم الله ورعاكم يا جيران قصر النيل، ولكن لا بأس من أن تذكروا أنه لا يضايقني أبدا أن أعترف بأني فلاح لا يزال في يده أثر الفأس والمحراث.