الزوجة الصالحة تقول للطفل: «تمسك بهذا الخلق فإنه يرضي أباك، وتجنب ذلك الخلق فإنه يغضب أباك».
وعندئذ يشعر الطفل بأن عند أبيه ذخائر من الفضائل فيتشوف إلى الاطلاع على ما في قلب أبيه من كرائم الطيبات، ويرى الطاعة من صالحات الأعمال.
فإن سمعتم أن طفلا يحب أباه فاعرفوا أن لذلك الطفل أما صالحة، وإن سمعتم أن طفلا يبغض أباه فاعرفوا أن له أما ذميمة الخلال، وإنما اهتممت بتأكيد هذا المعنى لأنبه الزوجات إلى حقيقة غفل عنها أكثر المربين، وهي أن الأطفال وديعة ثمينة في أيدي الأمهات، ومن الأمهات من ينسين الواجب فيفسدن ما بين الآباء والأبناء، ويحرمن الأطفال من نعمة عظيمة هي الثقة بالوالد المسكين الذي يضطرب في دنياه ليقدم إلى زوجته وأطفاله أسباب الرخاء.
وما ابتكرت هذه الحقيقة، وإنما هي درس تلقيته عن أهلي، فقد كان أبي رحمه الله رجلا جافيا جدا، وما أذكر أنه ابتسم في وجهي غير مرات معدودات، ولكن أمي رحمها الله كانت لا تذكره أمامي بغير الخير ولا تصوره بغير الجميل.
وكنت في طفولتي أرى أبي لغزا من الألغاز، فهو فيما أرى رجل عنيف، وهو فيما تصور أمي رجل لطيف، ولم أعرف وجه الحق إلا يوم حرمتني المقادير من أبي وأصبحت في الدنيا بلا صديق. •••
ولكن ما الموجب للحرص على صداقة الأطفال؟
لقد سمعت أننا من بني آدم، وسمعت أن آدم كان رجلا له قلب والأطفال يعيشون بيننا في غربة موحشة فليسوا من جيلنا ولسنا من جيلهم، فهمومهم غير همومنا، وهمومنا غير همومهم، ولن يمكن التوفيق بيننا وبينهم إلا إن صعدوا إلينا أو نزلنا إليهم، فمن كان له قلب فليعرف هذه الحال وليفكر في إيناس أولئك الغرباء الذين يتشوفون إلى العواطف والقلوب.
وأول ما يجب التنبه إليه هو اليقين بأن الأطفال يعيشون في عالم المحسوس ويجهلون عالم المعقول.
وعالم المحسوس هو الأصل، ولو شئت لقلت إن عالم المعقول ليس إلا تصويرا لعالم المحسوس.
ومن واجب الأب أن يدرك أن الأطفال يرون الدنيا بعيونهم لا بعقولهم، من واجب الأب أن يفهم أن مدركات الحواس هي كل شيء عند الأطفال.
فإن بدا لك أن تصادق الطفل فابحث عن مواقع هواه، واعرف أن فمه أكثر يقظة من عقله، وأن صندوق الحلوى أفضل عنده من الكتاب الجيد، وأن الثوب المرقش أحب إليه من القول المزخرف، والأب الذكي اللبيب هو الذي لا يلقى طفله إلا وفي يده هدية أو تحفة أو طرفة، فإن فاته ذلك فليقدم إلى طفله قطعة أو قطعين من النقود، وليذكر دائما أن هذا هو ما يدرك الأطفال من معاني الوجود.
وفي الدنيا أشياء هي عندنا أوهام، وهي عند الأطفال حقائق ولن نظفر بصداقتهم إلا إن رأينا الدنيا بعيونهم، ولعلهم أعرف وأصدق ! كنت أدخل المنزل فيلقاني أطفالي باسمين متهللين لأن الراديو قدم إليهم هدايا نفيسة، فيها من كل فاكهة زوجان، فأفرح لفرحهم، وأطلب نصيبي من هدايا الراديو، فيقدمون إلي ما بقى هداياه متفضلين.
وكان هذا الراديو عجيبا، ولعله أعجب راديو عرفه الناس، كان الأطفال يصبحون فيجدون حوله أطايب كثيرة من المأكولات والمشروبان فيصفقون ويهللون، وتموج بهم الدنيا موج الفرح والاغتباط.
وكنت أنتفع بهذه الفرصة فأفرح لها كما يفرحون.
وكان في المنزل طفل كبير يرتاب في هدايا الراديو، ويظن لسخفه أن تلك الهدايا قدمتها يد إنسان لا يد شيطان.
وكنت بفضل عقلي أفهم أن هدايا الراديو هدايا رديوية، وأن الراديو هو الذي ينقل الهدايا كما ينقل الأصوات:
وكان أطفالي يحبون أباهم لأنه عاقل، ويتهمون أخاهم الكبير الجنون.
فليت شعري ماذا صنع الراديو بعد رحيلي إلى العراق؟
أكان يجري على عادته السخية فيقدم الهدايا إلى أطفالي في الصباح والمساء؟
أم ترونه حزن لفراقي فحرم الأطفال من تلك الهدايا الطيبات؟
إن الراديو الذي في منزلي بمصر الجديدة هو أغرب المبتكرات، ومن الواجب أن يكون له أمثال في كل أرض، هو راديو كريم يقدم إلى الأطفال كل ما يشتهون، وهو يعرف الفوارق بين هدايا المواسم وهدايا الأعياد، ولم يكن فيه إلا عيب واحد، هو أنه يضن بالهدايا حين أغيب، ولا أعرف السبب في ذلك.