تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهل آمل أن تبتسم أيضا حين أقول إنكم قوم سطحيون؟

اسمع يا صديقي

أنت قلت إن علم النفس منذ عشرين سنة لا يقاس إلى علم النفس في هذه الأيام إلا كما يقاس التنجيم إلى علم الفلك.

ذلك كلامك الذي سطرته بقلمك في مجلة التربية الحديثة.

فهل تعني ما تقول؟ وهل يصدقك رجل مثل سعادة الدكتور منصور فهمي أو رجل مثل معالي الأستاذ مصطفى عبد الرازق؟

وهل يوافقك على ذلك فريق من الذين تلقيت أنا عنهم الفلسفة في السوربون؟

من سوء حظي أيها الأخ أني دكتور في الفلسفة، ومن سوء حظي أن وجدت رجلا يعتذر عن نقد كتاب «النثر الفني» بحجة أنه قام على أصول فلسفية توجب النظر الدقيق، وهذا الرجل هو الأستاذ إسماعيل مظهر وهو فيما سمعت وسمعتم من المطلعين على المذاهب الفلسفية.

ومن سوء حظي أيضا أني اطلعت اطلاعا لا يخطر ببالك على الفلسفة اليونانية والعربية، وصح عندي بعد البحث أن الفلسفة الحديثة لها أصول عند القدماء.

هل تصدق أنني اكتشفت أن مذهب فرويد له أصل في كتب الشعراني؟ وهل تصدق أني وجدت لذلك المذهب أصولا صحيحة عند علماء الفقه الإسلامي؟

ليتني أفرغ لك ولأمريكا لأفهمكم أن لا جديد تحت الشمس مع استثناء اللاسلكي والبخار والكهرباء.

إن قوتكم في الإعلان تفوق كل قوة وقد أزغتم الأبصار والعقول، وأصبح من واجب كل مخلص أن يقفكم عند حدكم، فقد ملأتم الدنيا بالأوهام والأضاليل.

أفي الحق أن علم النفس كان منذ عشرين سنة خرافة من الخرافات؟

فما رأيكم فيمن يحدثكم أن علم النفس كان علما صحيحا منذ ألوف السنين؟

ما رأيكم فيمن يحدثكم أن الحقائق النفسية عرفها قدماء العرب والفرس واليونان والمصريين والهنود؟

ما رأيكم فيمن يحدثكم أن الاستهانة بميراث الإنسانية هي الشاهد على أنكم تمزحون فيما تقولون وما تكتبون؟

لقد اتفق لك يا دكتور بقطر أن توهم قراءك مرات ومرات بأن مناهج التعليم في مصر وفي فرنسا وفي انجلترا وفي ألمانيا وفي الدنيا كلها مناهج تقوم على غير أساس لأنها غير أمريكانية، فاتق الله والأدب والذوق في عقلك، وتذكر أن الأمريكان ناس كسائر الناس وليسوا من الملائكة ولا الشياطين.

أما بعد، فما أوجه الكلام إلى شخصك بالذات لأنك صديق عزيز، وإنما أنقد مذهبا ضعيفا من مذاهب الفهم هو المذهب الأمريكاني.

وقد آن الأوان للتفكير في نقلك إلى وطنك حتى لا تضيع.

آن الأوان للتفكير في رياضتك على النظر إلى الحقائق.

آن الأوان لنفهمك أن الفلاسفة كان لهم قبل عشرين سنة مذاهب صحيحة في علم النفس.

آن الأوان لنفهمك - وأنت صالح للفهم - أن علم النفس له ماض وتاريخ.

أيها الصديق

لا تحسبني أسأت إليك، فستذكرني بالخير بعد حين، والسلام.

الفصل الخمسون

| كيف نصادق أطفالنا1

سيداتي وسادتي

لا تظنوا أن الظفر بصداقة الطفل أمر سهل؛ لأن بيننا وبين الأطفال فوارق كثيرة جدا، وهذه الفوارق تباعد ما بيننا وبينهم، وتجعل عقد المودة معهم أمرا عسير المنال.

وأسعد الآباء هو من يستطيع الوصول إلى قلوب أبنائه في ترفق وتلطف، ليكونوا قرة عينه، وليكون قرة أعينهم، وليصبح البيت موئلا للانشراح والابتهاج.

وأسارع فأقرر أن الأب لا يستطيع الظفر بصداقة أبنائه إلا إن ضمن عطف زوجته عليه، فالزوجة هي الرباط الأول بين الأب وبين قلوب أبنائه، وهي تستطيع أن تغير قلوبهم على أبيهم حين تشاء، لأنها تملك من أمورهم كل شيء، ولها وسائل خفية تصل بها إلى قلوب الأطفال.

وبيان ذلك أن بعض الزوجات يستطبن إعلان التذمر من الأزواج، وهذا التذمر قد يسمعه الأطفال فيرسخ في أذهانهم أن أباهم رجل بغيض، وعندئذ يصعب على الأب أن يظفر بصداقة بنيه.

والزوجة الصالحة هي التي تشعر أبناءها في كل وقت بعظمة أبيهم وتروضهم على احترامه وحبه، وتؤكد في أنفسهم الشعور بما يملك من جميل المناقب والخصال.

وحي بغداد · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ٩٣