ولكن يؤذيني شيء واحد: وهو؟
ما هو ذلك الشيء؟
إني لأحتاج إلى شجاعة عظيمة لأفصح عما أريد.
وأتشجع فأقول: لن أستأنف دراسة علم النفس إلا يوم يستأنف الدكتور أمير بقطر دراسة الأبجدية.
هذه وقاحة!
لا ، والله؛ وإنما هي كلمة حق.
ومن أين عرف الدكتور أمير بقطر أني درست علم النفس منذ عشرين عاما حتى ينصحني بالعكوف على دراسته من جديد؟
من أين عرف ذلك؟!
لقد قلت في مقالتي ما نصه بالحرف، وكما نشرته مجلة التربية الحديثة:
ولكني قضيت عشرين سنة في درس علم النفس، وأصبح من المقرر عندي أن الاهتمام هو أصل كل تفوق.
فأنا لم اقل إني درست علم النفس منذ عشرين سنة، وإنما قلت إني درست علم النفس عشرين سنة.
وللقارئ أن يحكم بين هذا الزميل وبيني.
وللدكتور أمير بقطر أن يوجه إلى نفسه الملام إن شاء. •••
أما بعد، فما كان يسرني أن أوجه إلى ذلك الصديق الكريم هذه الملاحظات، وما كان يسرني أن أنال مذاهب الأمريكان بنقد أو تجريح.
ولكني أحسب الوقت حان لتذكير الأمريكان بخطر ما يقدمون عليه، فهم - كما عرفتهم - ناس سطحيون، وقد صحبتهم عامين في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وما أذكر أبدا أني رأيت في تفكيرهم شيئا من التعمق، وإنما هم قوم يغلب عليهم اللطف والإيناس وحفظ الجميل.
وصديقنا الدكتور أمير بقطر هو نموذج من التربية الأمريكانية فهو يمر على ما يقرأ مرور الطيف، ثم ينقد ويعتسف بلا بينة ولا برهان.
ومن واجبي أن أذكره بأن (الطريقة الأمريكانية) لا تنفع في مصر؛ لأن مصر ورثت تقاليد التعقل والتدبر منذ أجيال طوال، ثم ماذا؟
ثم أرجو أن ينقل الدكتور أمير بقطر هذه الملاحظات إلى أول عدد يصدر من مجلة التربية الحديثة، وأن يعلق عليه بما يشاء، عساه يتيح الفرصة لأن أدخل بقلمي فأقف الأمريكان عند حدهم فلا يدعون التفرد بالأستاذية في العصر الحديث.
الفصل التاسع والأربعون
| إلي الدكتور أمير بقطر
أخي وصديقي
لعلك قرأت كلمتي الماضية، وهي عتب عليك، عتب قاس عنيف ندمت عليه أشد الندم لأنه اتصل بأيامي في الجامعة الأمريكية المعهد الذي صحبتك فيه وصحبت الأستاذ حبيب اسكندر وهو من أكرم من صحبت، فقد وصفت الأمريكان بأنهم قوم سطحيون، وكان الأدب يوجب ألا أقول ذلك بعد أن صحبتهم سنتين : وبعد أن عرفت المستر جولت وزوجته الغالية.
وكان للمستر جولت قصة نبيلة، فقد كتب إلي خطابا بالفرنسية يقول فيه:
لقد قهرتنا الأزمة على الاستغناء عن بعض المدرسين، فكان الدكتور زكي مبارك أول من فكرنا في الاستغناء عنه، لأنه رجل صالح للحياة، ومواهبه كفيلة بأن تمكنه من طيبات الأرزاق.
وأنا أعتقد أن هذه الشهادة هي أعظم ما ظفرت به من الألقاب، وقد اقترحت في ذلك العهد أن أدرس في الجامعة الأمريكية مجانا، ثم صرفتني الشواغل عما أريد، وليتني استطعت لأقيم الدليل على أنني من أصحاب المعاني، فالجامعة الأمريكية تقوم في نفس البناء الذي كانت تقوم فيه الجامعة المصرية، وفي ذلك المكان نفسه استطاع أستاذنا الشيخ محمد المهدي بك أن يقوم بتدريس الأدب العربي مجانا حين نقصت موارد الجامعة المصرية بسبب الحرب العالمية.
ولكن ندمي على ما آذيت به الأمريكان بدأ يخف، لأنني أخذت أفهم أنني لا أحارب الطريقة الأمريكانية لأسباب شخصية، وإنما أحاربها في سبيل المبدأ، وأنا يا صديقي رجل يتوهم أنه من أصحاب المبادئ، وقد تجد فيمن صحبناهم من الأمريكان من يشهد بصدق ما أقول.
وأنا أعتقد حقا أنكم قوم سطحيون، وأعتقد أن نبوغ أمريكا في الفن السينمائي له دخل في ذلك، فهم قوم تبهرهم الألوان قبل أن تبهرهم الحقائق، فالدنيا عندهم صور وزخارف وتهاويل، والبيت لا يكون عندهم بيتا إلا إن ناطح السحاب، مع أن أرض الله أوسع مما تظن ويظنون.
وليس عند الأمريكان غير فضيلة واحدة هي الابتسام، وقد ورثت عنهم شيئا من هذه الفضيلة العالية، وأشهد صادقا أني ابتسمت حين قرأت كلمتك في الرد على أخيك.