ومن حقي أن أمسك بخناقك حتى تعترف بالحق.
فمن أين عرفت أن الصعوبة تنافي مذاهب التربية؟
يظهر أن التربية في ذهنك لها مدلول خاص، هو أن تقال في أمريكا، وفي كتاب طبع سنة 1938.
وفاتك أيها الزميل العزيز أن التربية كانت موجودة قبل أن تظهر «الطريقة الأمريكانية» وأن الصعوبة كانت مما يقصد إليه المربون لتمرين الأذهان والعقول.
ويظهر أيضا أنك تفهم علم النفس على «الطريقة الأمريكانية» وإخوانك الأمريكان قوم لطاف ظراف، ولكن دعواهم التفرد بالعلم أمر «لا يقره عاقل ولا مجنون».
وأخوك زكي مبارك وهو دكتور في الفلسفة مرة أو مرتين أو مرات يفهم غير ما تفهمون، أخوك زكي مبارك يقول إن الاهتمام هو أصل كل تعمق، وعنده شواهد يعرفها العقلاء والمجانين، والصعوبة توجب الاهتمام، وهي السر في إقبال الناس على درس المعضلات.
والصعوبة أو التصعيب من المذاهب التعليمية التي عاش عليها الناس قبل أن يخلق كريستوف كولمب، وهي طريقة نافعة جدا، وستأخذها عني يا شيطان، ستأخذها عن الفيلسوف الذي تطاولت عليه بلا حق، مع أنه زميلك وأخوك، وهذه الطريقة، طريقة التصعيب، تشبه في عالم الأفكار طريقة أهل اسبرطة في عالم الأبدان فالاسبرطيون كانوا يرمون مواليدهم في العراء ثلاثة أيام ليعرفوا صلاحيتهم للحياة الجثمانية، وطريقة التصعيب هي من هذا الباب، هي تعريض الأذهان للامتحان الصعب لتظهر صلاحيتها للحياة العقلية.
ولو أن الحظ كان أغاثك فمررت بالأزهر أو الجامعة المصرية أو السوربون أو مدرسة اللغات الشرقية كما اتفق لأخيك أن يمر وهو خائف يترقب، لو أن الحظ كان أغاثك بهذه المصاعب لعرفت كيف يكون صيال العقول، ولكنك عرفت الأمريكان الظرفاء الذين يدرسون العلم على الأساليب السينمائية.
أساليب سينمائية؟؟
ما هذا الكلام؟ يظهر أني بدأت أتطاول عليك!
لا، لا، فما أقبل أن أتطاول على أخي وزميلي، ولكنك أيها الأخ المحبوب نسيت أن تربط أجزاء اعتراضك بعضها ببعض، فجاز لي أن أفهم أنك تدرس ما تدرس على الأساليب السينمائية.
وبيان ذلك أيها الأخ أنك حين حكمت بأن كلامي في طريقة التصعيب لا يقول به عاقل ولا مجنون مضيت فقررت أن كلامي يشبه ما يقول به بعض الإنجليز في الدفاع عن نظامهم في النقود والموازين.
ومن كلامك عرفت أن الطريقة الإنجليزية هي أيضا طريقة أزهرية.
وأنا والله راض بأن أحشر مع علماء الإنجليز، ولو في الجحيم!
طريقة التصعيب أيها الأخ هي التي «تغربل» العقول، وبفضلها استطاع أخوك زكي مبارك أن يصاول العلماء في الامتحانات العلنية مرارا كثيرة، منها مرتان في باريس، وسأضع عقلك في «الغربال» بعد حين، لأعرف نصيبك من العمق، أراني الله وجهك بخير وعافية. ••• (2) تفضلت يا صديقي فقلت:
بقيت عبارة واحدة اسمح لي أيضا أن أسرها في أذنك، تقول إنك درست علم النفس منذ عشرين عاما، وقد نسيت أن علم النفس هذا لم يكن منذ عشرين عاما مما هو عليه اليوم إلا بمنزلة التنجيم من علم الفلك، فشمر عن ساعديك واعكف على دراسته من جديد.
سمعت وأطعت يا دكتور بقطر!
سمعت وأطعت لأني قضيت عشرين سنة في الحياة الجامعية، وقد أوصاني أساتذتي رضي الله عنهم بأن أفتح قلبي لكل نصيحة، ولو صدرت من الدكتور أمير بقطر!
ألمثلي يقال هذا الكلام؟ ألمثلي يوجه هذا النصح؟
إن كان منزلتي في الحب عندكم
ما قد رأيت فقد ضيعت أيامي
كنت أحسب أنني أنصفت نفسي حين أضعت شبابي في دراسة الأدب والفلسفة، وكنت أحسب أن جهادي في سبيل الأدب والفلسفة سيعصمني من سماع هذا النصح المرير، وكنت أظن أن زملائي يعرفون فضلي وأني لن أحتاج إلى اكتساب ثقتهم في سر أو علانية، ثم قضى الدهر الغادر بأن أرجع إلى حياة التلمذة وأن يطلب مني الرجوع إلى دراسة علم النفس من جديد.
ومعاذ الأدب أن أنكر قيمة هذه النصيحة الغالية: فقد رضت النفس على أكون طالب علم من المهد إلى اللحد.