وحين يتضح الخط العربي ويتكلم لغتنا ألوف من الأوربيين والأمريكيين تدخل في لغتنا حيويات جديدة قد تعود على أدبنا بأعظم النفع.
إن إصلاح الخط العربي أمل جميل، ولكن على شرط أن يكون تطورا في الخط، ولا يكون تبديلا للخط، فإني أخشى أن نبالغ في الحذلقة فلا تسايرنا الأقطار العربية، والسلام.
زكي مبارك
بغداد «المجلة» نتفق مع صديقنا الدكتور زكي مبارك في أشياء ونختلف معه في أشياء: (1)
نتفق معه أن اللغة العربية ليست أصعب اللغات. (2)
ونتفق معه أن صعوبة الخط مسألة سطحية وصعوبة الشكل كذلك، ويوجد في اللغات الأوربية الحية من الصعوبات على المبتدئ والمتعلم من غير أهلها ما يفوق مثلها في العربية بمراحل. (3)
أن صعوبة العربية في رأينا تنحصر في وجود لغتين العامية والفصحى، ولكل منهما تيار فكري يعطل أحدهما الآخر فيقتل التفكير والإنتاج، وهذا هو الرأي الذي أدلى به سر وليم ولكوكس ولدي ما يعزز قوله مما لا يتسع له المقام الآن. (4)
أما قول الدور زكي مبارك إن صعوبة النطق وصعوبة الخط وصعوبة النحو هي التي مكنت العرب من لغتهم وحدت إلى نبوغ أكبر الأدباء فلا يقره عليه عاقل ولا مجنون، وهذا المنطق يذكرني بما يقوله بعض الانكليز دفاعا عن نظامهم العقيم في الموازين والمقاييس والنقود، بجانب النظام العشري الجميل في النقود والموازين والمقاييس والمكاييل في فرنسا وإيطاليا ومعظم بلدان أوربا.
يقول السفسطائيون من الإنجليز إن هذا النظام المعقد يدرب العقل ويهذبه بعكس النظام العشري، وعلى هذا المبدأ ينبغي تعقيد كل شيء في الحياة توصلا للغرض عينه. (5)
أما قول صديقنا الدكتور إن الأزهر ضعف طلابه منذ إدخال التربية الحديثة فهذا يحتاج إلى أدلة يتعذر إقامتها بغير تجارب علمية وأرقام إحصائية، غير أنني أسر في أذن الدكتور أن التربية الحديثة لا تزال بعيدة عن الأزهر وعن معظم معاهد التعليم في بلادنا بعد الأرض عن السماء أو العكس على الأصح، اللهم إلا إذا كنت تفهم بالتربية الحديثة الجغرافيا والحساب. (6)
بقيت عبارة واحدة اسمح لي أيضا أن أسرها في أذنك، تقول إنك درست علم النفس منذ عشرين عاما، وقد نسيت أن علم النفس هذا لم يكن منذ عشرين عاما مما هو عليه اليوم إلا بمنزلة التنجيم من علم الفلك، فشمر عن ساعديك وأعكف على دراسته من جديد. (7)
وأخيرا دعني أشكرك من صميم الفؤاد لإخلاصك للعلم وتلبيتك لدعوتنا فقد طلبنا إلى أكثر من ثلاثين من رجال التربية في جميع البلدان العربية أن يدلوا بآرائهم فلم يحرك منهم ساكنا إلا من زينا صفحات المجلة بأسمائهم، فعليك من قراء مجلة التربية الحديثة وعلى جميع من ساهموا في هذا العدد، ومني، السلام ورحمة الله.
المخلص
أمير بقطر
الفصل الثامن والأربعون
| مذاهب التربية
إلى الدكتور أمير بقطر
أيها الصديق العزيز
أقدم إليك أطيب التحيات، وأذكر أن هذا الخطاب كان يجب أن يوجه إلى مجلة التربية الحديثة، ولكني رأيت أن العدد الأخير هو ختام هذه السنة، وفي تعليقك على مقالي كلمات لا أحب أن أتركها بلا تعقيب إلى العام المقبل. (1) تفضلت يا صديقي فقلت:
أما قول الدكتور زكي مبارك إن صعوبة النطق وصعوبة الخط وصعوبة النحو هي التي مكنت العرب من لغتهم وحدت إلى نبوغ أكثر الأدباء فلا يقره عليه عاقل ولا مجنون، وهذا المنطق يذكرني بما يقوله بعض الإنجليز دفاعا عن نظامهم العقيم في الموازين والنقود بجانب النظام العشري الجميل في النقود والموازين والمقاييس والمكاييل في فرنسا وإيطاليا ومعظم بلدان أوربا، يقول السوفسطائيون من الإنجليز إن هذا النظام المعقد يدرب العقل ويهذبه بعكس النظام العشري، وعلى هذا المبدأ ينبغي تعقيد كل شيء في الحياة توصلا للغرض عينه.
ذلك كلامك أيها الزميل، وقد استغربت واستغرب فريق من أصدقائك بالعراق أن يصدر عنك، فعبارة «لا يقره عاقل ولا مجنون» عبارة غير مقبولة، ومن المؤكد أنك ندمت عليها ولو قليلا، فعهدي بك تزن الألفاظ وتنقيها من العيب، ولو وقعت هذه العبارة في معركة أديبة لكان لها موضع، فإن المعارك لعنفها قد تبيح ما لا يباح، وما كنت أخاصمك حين استجبت لدعوتك الكريمة إلى كتابة مقال لمجلة التربية الحديثة حتى يجرى قلمك بذلك التعبير «المقبول»!