أما موقفي في مدافعة المستشرقين فيتلخص في أن الخط العربي هو أصلح الخطوط للغة العربية، وأن الحروف اللاتينية لا تنفعنا أبدا، لأنها تعجز عن تأدية النطق العربي تأدية صحيحة.
قالوا: ومع ذلك يعجز الخط العربي عن تأدية النطق العربي تأدية صحيحة!
قلت: لأننا نهمل الشكل وهو عنصر أساسي في الخط العربي.
وهنا أذكر أن أهل بغداد كانوا السبب في حرمان الخط العربي من أهم عناصره وهو الشكل، لأنهم كانوا يرون الشكل إهانة للمخاطب واتهاما له بالجهل.
وهذا الذوق البغدادي كان يقبل في القرن الثالث يوم كانت الثقافة الأدبية مقصورة على الخواص الذين يؤذيهم أن ترشدهم إلى صواب النطق بشكل الكلمات.
وقد تغير الحال في هذا الزمان وصرنا مضطرين إلى مخاطبة الجمهور كله وفيه أطفال ونساء وجاهلون، فما كان يعتبر إهانة عند أهل بغداد في القرن الثالث أصبح في زماننا من الواجبات.
وخلاصة هذه الفكرة أن التشبث بالخط العربي ليس نزعة قومية، كما يتوهم أكثر الناس، وإنما التشبث بالخط العربي أمر يوجبه العقل والمنطق لأنه أصلح الخطوط لتأدية النطق الصحيح في اللغة العربية.
وكلمة «كتب» معناها في الأصل «قيد» وكذلك «الشكل» معناه «القيد» أنه مأخوذ من الشكال، أي القيد، فالذي يشكل الكلمة يقيدها: أعني أنه يحصرها في وضع واحد، وكانت قبل الشكل تنطق بأوضاع مختلفات.
وأقول ثم أقول، وأقرر ثم أقرر، أن الخط العربي لا يعوزه غير الشكل، فإذا شكلناه أصبح قادرا كل القدرة على تأدية النطق وتحديد المعاني على نحو ما تصنع الحروف اللاتينية في اللغات الأوربية.
ولو ظهرت الجرائد والمجلات مشكولة عامين اثنين لرأيتم كيف يصلح النطق وكيف يشيع الإفصاح. •••
وهنا ندخل في شعاب المعضلة الحقيقة فنقول:
إن لحرف القاف مثلا أربع صور هي: ق، ق، ق، ق.
ولو وضعنا لكل صورة ثلاث حركات لاحتجنا إلى اثنتي عشرة صورة لكل حرف، وبذلك تتعدد الصناديق، وتحتاج كل مطبعة إلى مضاعفة عدد الصفافين، كما يعبر أهل مصر، أو المرتبين، كما يعبر أهل العراق.
وأنا بكل صراحة أدعو إلى توحيد الحروف، أدعو إلى الاكتفاء بصورة واحدة لكل حرف، فيكون له رسم واحد في أول الكلمة وفي الوسط وفي الطرف، ثم يصب من كل حرف ثلاثة أشكال فيها الكسر والضم والفتح، مع الاستغناء مؤقتا عن حركات الإعراب.
وهذا الاقتراح يذهب بشيء من جمال الخط العربي، ولكن جمال الخط لا يساوي ما نظفر به من الدقة والتحديد في الخط المقترح.
الشكل هو الإصلاح الوحيد للخط العربي، ولكن شكل الحروف بوضعها الحاضر يوجب تعقيد الصناديق، وتوحيد أشكال الحروف يمنع هذا التعقيد.
في الصندوق العتيد أربع صور لحرف الفاء هي: ف، ف، ف، ف.
وفي الصندوق الذي أقترحه أربع صور هي: ف، ف، ف، ف.
والصورة الأخيرة عارية عن الشكل فلتكن صورة السكون أو الوقف. •••
وما أقترحه خاص بحروف الطباعة، أما الكتابة العادية فخط الرقعة يكفي فيها كل الكفاية، ويحسن أن يكون عندنا خطان اثنان فقط: خط للطباعة وخط للتحرير.
وأنا - بعد الذي أسلفت - أقرر بصراحة أن صعوبة النطق التي أوجبها سوء الخط كانت السبب في اهتمام العرب بالتمكن من لغتهم، كما أن صعوبة النحو العربي كانت السبب في نبوغ أكثر الأدباء.
والتعليم في الأزهر كان نافعا جدا يوم كان يجري على نظام غير مرتب، فلما وصلت إليه طرائق التربية الحديثة أصبح ضعيفا.
أقول هذا وأنا أعرف أن سيغضب الدكتور بقطر والدكتور جولت.
ولكني قضيت عشرين سنة في درس علم النفس، وأصبح من المقرر عندي أن الاهتمام هو أصل كل تفوق، وصعوبة الخط والنحو والصرف توجب الاهتمام، وهذا الاهتمام هو الذي جعل الأزهريين القدماء من أعرف الناس باللغة العربية.
ولكن لا مفر من إصلاح الخط العربي لنصل به إلى الجمهور الأعظم الذي يعد بالملايين، ولنقضي على الدسيسة الخطرة التي تزين الحروف اللاتينية، ولنسهل الوصول إلى فهم لغتنا لمن يهمهم ذلك من كرام الأجانب، فقد اشتغلت بالتدريس في الليسيه فرانسيه نحو عشر سنين وكان يؤذيني أن يعتقد الأجانب من التلاميذ أن لغتنا أصعب اللغات.