هو بالتأكيد من أثمن ذخائر العراق.
والعراقيون يعزون شاعرهم كل الاعزاز، ولما قدم لسماع محاضرتي بكلية الحقوق قابله الجمهور بتصفيق الإعجاب، ويكفي أن يكون سعادة الأستاذ طه الراوي من رواة شعر الرصافي، وطه الراوي إمام من أئمة اللغة العربية، أعزه الله ورعاه.
وللرصافي ديوان يقع في أكثر من خمسمائة صفحة من القطع الكبير، ولكن أي ديوان؟ هو جذوات من الفكر والمنطق والوجدان، وسيعيش هذا الديوان على التاريخ. •••
والرصافي متبرم بالعراق، وهذا كل ما عنده من ضلال، وقد أملاني هذين البيتين:
قد كان لي وطن أبكى لنكبته
واليوم لا وطن عندي ولا سكن
ولا أري في بلاد كنت أسكنها
إلا حثالة ناس قاءها الزمن
وقد اتفق له أن يقول منذ أعوام طوال:
عتبت على بغداد عتب مودع
أمضته فيها الحادثات قراعا
أضاعتني الأيام فيها ولو درت
لعز عليها أن أكون مضاعا
لقد أرضعتني كل خسف وإنني
لأشكرها أن لم تتم رضاعا
وما أنا بالجاني عليها وإنما
نهضت خصاما دونها ودفاعا
وأعملت أقلامي بها عربية
فلم تبد إصغاء لها وسماعا
وأن يقول:
ويل لبغداد مما سوف تذكره
عني وعنها الليالي في الدواوين
لقد سقيت بفيض الدمع أربعها
على جوانب واد ليس يسقيني
أفي المروءة أن يعتز جاهلها
وأن أكون بها في قبضة الهون
وأن يعيش بها الطرطور ذا شمم
وأن أسام بعيشي جدع عرنيني
1
وأن يقول:
إلى كم أستغيث فلا مغيث
وأدعو من أراه فلا يجيب
أقمت ببلدة ملئت حقودا
علي فكل ما فيها مريب
أمر فتنظر الأبصار شزرا
إلي كأنما قد مر ذيب
وكم من أوجه تبدي ابتساما
وفي طي ابتسامتها قطوب
سكنت الخان في بلدي كأني
أخو سفر تقاذفه الدروب
وعشت معيشة الغرباء فيه
لأني اليوم في وطني غريب
والرصافي شاعر يسخر من أوهام الناس وهو الذي يقول:
لقد خامرتني في الزمان وأهله
شكوك عليها يعذر المنزندق
أرى الدهر في أمرين يعمل دائبا
صناع اليدين فيهما يتأنق
يجدد للموتى مناقب لم تكن
لديهم وللأحياء يبلى ويخلق
فكم من قبور عظم الناس أهلها
بما لم يكن عند النهي يتحقق
ورب امرئ قد عاش يستقطر الثنا
فلما قضى سال الثنا يتدفق
فما كتب التاريخ في كل ما روت
لقرائها إلا حديث ملفق
نظرنا لأمر الحاضرين فرابنا
فكيف بأمر الغابرين نصدق
وما صدقتنا في الحقائق أعين
فكيف إذن فيهن يصدق مهرق
2
وديوان الرصافي على عظمته ليس كل شعر الرصافي، فله شاعرية لم يحوها الديوان، هي ذلك الروح الطروب الذي يهزأ من أحداث الزمان.
والرصافي مؤلفا غير معروف، ولكن كتابه عن النبي محمد كتاب هائل جدا، وترجع أهميته إلى ما فيه من نقد الأخبار والأحاديث وقد لا تتسع الصدور لظهور هذا الكتاب، وهذا هو الشاهد على أن أسلافنا كانوا أوسع صدرا وأعلى مقاما.
أما بعد، فما كتبت هذه الكلمة لأفي الرصافي حقه من الثناء، فذلك يحتاج إلى مؤلف ضخم تحدد به نواحي هذه العبقرية.
ما هذا بحثا مفصلا عن الرصافي، وإنما هي كلمة موجزة أردت أن أشرف بها نفسي فأقول إني زرت بغداد ورأيت الرصافي، ولعلها تكون كفارة عن تقصيري في مودة هذا الشيخ الجليل، وأقسم ما انصرفت عن مودته طائعا، وإنما صرفني عن مودته ما ألقاه القدر على كاهلي من أعباء وتكاليف.
الفصل السابع والأربعون
| إصلاح الخط العربي
إلى الصديقين الكريمين محرري مجلة التربية الحديثة
أقدم إليكما أصدق التحيات، ثم أتشرف بتقديم ما سألتموني من الرأي في إصلاح الخط العربي، ولكن على شرط أن تحتملوا الاطناب، لأن لي في هذه المسألة آراء عرضتها في مواقف رسمية، أحدها في مدرسة اللغات الشرقية في باريس يوم حاججت الأساتذة العظام مرسيه وكولان وديمومبين، وثانيها يوم قدمت رسالة «اللغة والدين والتقاليد» إلى لجنة رسمية مؤلفة من حضرات أصحاب المعالي والعزة أحمد لطفي السيد باشا وجعفر ولي باشا وبهى الدين بركات باشا وطه حسين بك ومصطفى عبد الرازق بك، وهناك موقف أخطر وهو الذي دعوت فيه صراحة إلى كتابة المصحف بالرسم الحديث، وتصريحي بأن سيدنا عثمان كان مبتدئا في الخط وأنه لو عاش في هذا العصر لكان من المستحيل أن نكل إليه تعليم الخط في مدرسة أوليه، ثم تصريحي بأن مشايخ الأزهر يصدون عن كتاب الله حين يوجبون أن يرسم بخط تصعب قراءته على أكثر الناس.