أيها السادة
في مثل هذه الليلة، أو في قريب من مثل هذه الليلة، ولد الرسول، فلنجعل هذه الليلة من ليالي الصدق، عساها تكون كفارة عما عانينا في طول العام من أكاذيب.
والصدق يوجب أن نذكر أن الإسلام ليس دين العرب وحدهم وإنما هو دين الإنسانية جمعاء، فإلى سائر المسلمين في بقاع الأرض وإلى من انتفعوا بهدى الإسلام من قرب أو من بعد، وإلى كل إنسان سمع باسم القرآن، إلى جميع من خلق الله نوجه التحية الخالصة راجين أن نتعرف إليهم أو يتعرفوا إلينا، في ظلال الراية الرحيمة، راية الرسول الذي بعثه الله رحمة للعالمين.
الفصل السادس والأربعون
| كيف رأيت الرصافي
كانت شواغلي في دنياي أضاعت علي كثيرا من الفرص النوادر، فأنا لم أر إسماعيل صبري شاعر الحب والوجدان، وكنت أستطيع أن أراه ولكني ضيعت الفرصة، وأنا لم أر الموسيقار سيد درويش وكنت أستطيع أن أراه ولكني ضيعت الفرصة، والشاعر جميل الزهاوي زار مصر، وكنت أستطيع أن أراه ولكني ضيعت الفرصة، وأنا لم أر الكاتب الشاعر محمد السباعي مع شوقه الشديد إلى أن يراني، ولما كثر سؤاله عني ذهبت إلى جريدة البلاغ لأخذ عنوانه فنعوه إلي في ذلك اليوم، وكانت فجيعة طار لها صوابي.
ولما قدمت بغداد كنت أنتظر أن يبدأ الرصافي بزيارتي، ولكنه لم يفعل، ثم علمت أنه لا يقيم في بغداد، وإنما يقيم في الفلوجة، وهي قرية على شاطئ الفرات.
وتحدث المتحدثون بأنه عليل فرأيت من الذوق أن أبدأ أنا بالسؤال عنه، وتفضل الصديق الكريم السيد ثابت عبد النور فصحبني إلى الفلوجة مع رفيقين كريمين، ورأينا أن تكون الزيارة فجائية حتى لا يتكلف الرصافي نحر الذبائح على الطريقة العربية.
دخلنا على الشاعر وهو شيخ جليل يقارب الخامسة والستين، وكان في أعقاب علة أقام من أجلها أشهرا يستشفي في لبنان، فالتفت إلى السيد ثابت عبد النور، وقال: كيف جئتم على غير ميعاد؟ أما تعرف أنه كان يجب أن نحتفل بقدوم الدكتور زكي مبارك إلى الفلوجة؟ فقال السيد ثابت: نحن ما جئنا لزيارتك، وإنما جئنا لمشاهدة مطار «سن الذبان» ورأينا الفرصة سانحة للتسليم عليك.
وكانت حيلة طريفة هربنا بها من كرم الرصافي.
وبدأ الشاعر فتحدث عن المازني، المازني العظيم، فأنشدنا أبياتا قالها فيه، وهو يشبه أدبه بشراب التوت، وما أدري ما شراب التوت، ولكن هكذا قال.
ثم أمر الشاعر فتاه بأن يحضر كتابه عن النبي محمد عليه الصلاة والسلام وألح الشاعر في أن ألقي نظرة على ذلك الكتاب، وهو مخطوط في عشرة كراريس، وكنت قضيت ساعة في هدوء، فلما وقع بصري على بعض فقرات الكتاب ثرت ثورة عنيفة، وانطلقت أجادله بلا ترفق ولا تلطف.
وقابل الشاعر ثورتي بأدب رائع دلني على أنه من أقطاب العقل، ثم قال: انتظر فسنلتقي بعد عشرة أيام في بغداد.
وكان معنى ذلك أنه سيفارق الفلوجة يوم ينتخب عضوا في مجلس النواب. •••
وبعد أيام أقام لي أفاضل الأدباء في بغداد حفلة تكريم، وفي طريقي إلى مكان الحفلة اشتريت جريدة الاستقلال فرأيت في صدرها قصيدة رائعة أراد بها الرصافي أن يسبق أهل بغداد إلى تكريمي، وكذلك يكون الذوق في إكرام الضيف.
ولم يقف الرجل عند هذا الحد؛ بل تجشم الانتقال إلى كلية الحقوق ليسمع إحدى محاضراتي، ثم جاء للسؤال عني في منزلي مرتين، وعرض علي أن أقرأ كتابه عن الرسول وأدون ما أشاء من الملاحظات، فاعتذرت بضيق الوقت، وبالغ في اللطف فدعاني إلى التشرف بزيارته كلما شئت، ولكن شواغلي حرمتني من لطفه فلم أزره في منزله غير ثلاث مرات، ثم يئس من وفائي فلم يعد يسأل عني.
فمن هو الرصافي؟
هو مجموعة طريفة من العقل والأدب والذوق والذكاء.
هو صورة صادقة للروح البغدادي، الروح المرح الطروب.
هو عنوان الرجولة الصريحة التي تمقت الكذب والرياء.