تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان .

فهو يرى التفريط في هذه الآداب خروجا على الإيمان، وهذا حق، فما كان الإيمان كلمة تلوكها الألسنة وتمضغها بلا إحساس، وإنما الإيمان عقيدة وأعمال.

جعلنا الله بفضله من المؤمنين.

أيها السادة

إن مائدة القرآن متعددة الألوان، وفيها أطايب تنفع جميع الأمعاء، فللفاجر حديث، وللمرتاب حديث، وللمؤمن حديث، وللجاحد حديث، ولكل إنسان مكان على مائدة القرآن.

ولكن يبدو لي أن إيماننا لا خوف عليه، فأنا مطمئن إلى أن المسلمين هم في الأغلب مؤمنون.

غير أني وقد اختبرت نفسي أشعر بأننا في حاجة شديدة إلى النظر في الآية الآتية:

يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم .

فهذه آية يجب أن ترقم على كل مكان لأراها ويراها أمثالي من المساكين، فكل إنسان في هذه الأرض يحب أن يكون له في الناس رأي، ويزعجني أن أقرر أنه يؤذينا أن تحسن آراؤنا في الناس، وقد جربت ذلك، ولكم أن تجربوه، فما ذكرت إنسانا بالخير في حديث أو مقال أو كتاب إلا كان ذلك كافيا لقيام ثورة عنيفة لتصحيح ما أخطأت فيه، ولا ذكرت إنسانا بالشر في حديث أو مقال أو كتاب إلا رأيت من يثني على أدبي ويصفني بالجرأة والشجاعة والعبقرية.

فما سر ذلك؟ لذلك تأويل، ولكنه يفضح بني آدم، وتأويل ذلك أن الناس يتوهمون أن حسن السيرة والسمعة إذا تم لرجل كان فرصة لانتهاب الخير من أيديهم، وهم مخطئون أبشع الخطأ، فالله عز شأنه خلق من الخيرات والثمرات أضعاف ما خلق من الإنسان والطير والحيوان، ولا تزال في الأرض والأشجار والأنهار والبحار خيرات منسية تنتظر من يكشف عنها الغطاء.

والشجرة لا تثمر مرة واحدة، وإنما تؤتي أكلها في كل حين.

والأنهار لا تفيض مرة واحدة، وإنما تحفظ أدبها مع بارئها فتفيض بمواعيد على مر السنين والأجيال.

والأرض لا تجدب إلا إن غفلنا عنها أو زهدنا فيها.

والفكر لا ينضب إلا إن أغفلناه.

فما الذي يوجب هذا التطاحن البغيض يا بني آدم؟

ما الذي يسوؤكم في أن تحسن سمعة رفيق لكم فيجاهد في دنياه وهو محمود الخصال؟

وقد علمتني التجارب وستعلمكم أن الإنسان أضعف من أن يقطع رزق أخيه الإنسان، فهناك قوة ربانية تبيح الجهاد في سبيل الرزق الحلال، وهذه القوة لا تنتظر آراءكم في التجريح والاغتياب، فانطحوا الصخر إن شئتم، فلن يسمع لكم في مصاير الناس قيل ولا قال، وإنما الأمر كله لله.

أيها السادة

كنت أحب أن أطيل الطواف حول الألوان الشهية التي تزخر بها مائدة القرآن، ولكن الوقت الذي حددته محطة الإذاعة يضيق عن ذلك، فاسمحوا لي أن أشير إلى هذه الآية فهي تنفعني وتنفع من يحمل على ظهره أوزارا مثل أوزاري، وهذه الآية تقول:

ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين .

فإن رأيتم خيرا من إنسان فنوهوا به وتحدثوا عنه في السر والعلانية، واعلموا أن هذا يرضي الله، وتذكروا دائما أنكم لستم أغير من الله، تذكروا أن أخطر حية في الأرض هي الحية التي تسمى الكوبرا وهي حية شريرة جدا، وقد هربت إحدى هذه الحيات مرة من متحف قصر العيني بالقاهرة، وشاع ذلك فباتت محلة المنيرة بالقاهرة في جزع وارتياع.

فهل تعرفون كيف كشف العلم عن حقيقة هذه الحية الشريرة اللئيمة؟

لقد ثبت علميا أن سم هذه الحية هو الدواء الشافي لمرض السرطان، وقد يأتي زمان نربي فيه هذه الحية الشريرة كما نربي كرائم الخيل.

أيها السادة

تذكروا، ثم تذكروا، تذكروا دائما أنكم لستم أغير من الله، تذكروا أنكم لم تروا من أنهار الحقائق غير أوشال، تذكروا أن القرآن لم يكن أبطولة من الأباطيل، وإنما كانت آياته من غرائب الحقائق، وتذكروا أن القرآن هو الذي أعز العرب فجعل لهم إخوانا في المشرقين والمغربين، ولولا القرآن لظل العرب في عبودية كما كانوا في أكثر عهود التاريخ.

وحي بغداد · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ٨٦