أما نادي المثنى فهو نادي العروبة، وله صلات مع أكثر الزعماء بالأقطار العربية، وله نشرات دورية تصور ما يدعو إليه من مبادئ وآراء.
ومن أعضاء ذلك النادي عرفت السيد مهدي كبة والسيد عبد المجيد محمود، ورئيس هذا النادي رجل شهم، ولكني نسيت اسمه مع الأسف، وعرفت أيضا جمعية الشبان المسلمين، ودارها بالكرخ الذي كان فيه قمر بن زريق.
ولجمعية الشبان المسلمين هناك حيوية جذابة، فهي ملتقى السامرين من أهل الفضل في بغداد.
وهناك جمعية الهداية الإسلامية، وما أعرف أين تقيم، ولكن لها مجلة قوية اسمها: الكفاح، ولها صلات بأكثر الباحثين في الأقطار الإسلامية، وهي تصدر في كل سنة عددا خاصا بالمولد النبوي تلتقي فيه أقلام المتعمقين في التاريخ الإسلامي.
أيها السادة
قد تسألون عن الصحافة في العراق، وهي من أهم مظاهر الحياة الأدبية.
وأجيب بأن الصحافة هناك تجاهد لتؤدي واجبها في تثقيف الجمهور المتعطش إلى الآداب والفنون، ولولا ضعف الطباعة وغلاء الورق لكان للصحافة في العراق مكان مرموق.
ومركز الصحافة هو بغداد - لأنها العاصمة - ففيها تصدر عدة جرائد يومية وعدة مجلات أسبوعية وشهرية مثل الأخبار والعالم العربي والزمان والرأي العام والعقاب والكرخ والاستقلال وبالك وحبزبوز والكفاح والمناهل والهدف والعراق وبغداد وفتاة العراق والمعلم الجديد.
وفي البصرة تصدر جريدة الناس وجريدة الثغر، وفي الحلة تصدر جريدة حمورابي، ورأيت في الموصل جريدتين.
وفي النجف تصدر الاعتدال والحضارة والهاتف.
وهناك جرائد ومجلات غاب اسمها عن الذاكرة، وهي جميعا تكافح الأمية وتدعو إلى الفضيلة، وتعاون على التثقيف.
ولا تظهر قيمة الجهاد الصحفي في العراق إلا إذا تذكرنا ما يعترض الصحافة من عوائق لا يتسع لشرحها هذا الحديث.
ويجب النص على أن جماهير أهل العراق لا يكتفون بما يصدر في بلادهم من جرائد ومجلات، فهم يقبلون إقبالا شديدا على المجلات المصرية، من أمثال المقتطف والهلال والرسالة والدنيا والاثنين والمصور وروز اليوسف والرواية وآخر ساعة واللطائف والصباح، وهم في الأغلب يفضلون المجلات الجدية على المجلات الفكاهية.
وكذلك يمكن الحكم بأن الشاب العراقي يتصل بأصول الثقافة الحديثة على نحو ما يتصل بها الشاب المصري، وربما جاز أن نحكم بأن الشبان العراقيين قد يعرفون من مؤلفات مصر ما لا يعرف الشبان المصريون.
وهذا يبشر بمستقبل مزهر للحياة الأدبية في العراق.
أيها السادة
قد تسألون عن الشعر والنثر في العراق.
وأجيب بأن العراق هو في ذاته جذوة شعرية، ففيه من الشعراء مئات أو ألوف، ومن فاته نظم الشعر لم تفته رواية الشعر، وأسمارهم تقوم في الأغلب على رواية الأشعار، وطباعهم الشعرية في غاية من السماحة والنبل، وفيهم أريحية تذكر بأسلافهم في عصر بني العباس، ولو صرحت بما في نفسي لقلت إن شمائل أهل العراق تعد نماذج من الشعر الرائع.
ومع هذا لم يظفر منهم بشهرة عالمية غير شاعرين اثنين: الزهاوي والرصافي.
أما الزهاوي: فكان أهل مصر يرونه ناظما لا شاعرا، وأكثر أشعاره يؤيد هذا الرأي.
ولكني سمعت من أخباره في بغداد ما أكد لي أنه كان يحيا حياة شعرية، وأنه كان في ذوقه وإحساسه من الأقطاب بين أهل الفنون، وهو الذي يقول في دفع من يتحاملون عليه:
علي تهافتوا فرفعت كفى
أصد به عن الأدب الذبابا
وأما الرصافي فهو أهل للشهرة التي ظفر بها بين قراء اللغة العربية، وله ديوان فخم سيحفظ مكانة بين دواوين الفحول.
وللرصافي أشعار كثيرة لم تنشر، وهي على ألسنة الناس، وأكثرها في الهجاء، وما وصل إلى سمعي من تلك الأشعار يشهد بأن العراق لم يضيع مذهبه المأثور في السخرية من سخيف الأخلاق والتقاليد.
والعراق مغبون من الوجهة العالمية، ففي بغداد والنجف شعراء لا يعرفهم غير أهل العراق، ولو اعتدل الميزان لسارت أسماء أولئك الشعراء.