فمن شعراء اليوم في بغداد شاعر مجيد هو صديقنا العزيز السيد عبد الرحمن البناء، وهو بناء حسا ومعنى، ولكن عبقريته نقلته من هندسة المباني إلى هندسة القوافي، فله عدة دواوين شعرية، وله مطبعة، وله جريدة تسمى بغداد.
جلست أسمر مرة مع هذا الشاعر في ليلة قمراء كأنها الصبح المشرق في مصر الجديدة، جلسنا في بهو الفندق - فندق العالم العربي على شط دجلة - فنظر إلي وقال: (أنا الذي بنيت هذه المسناة).
فوقعت هذه العبارة من نفسي موقع الشعر الجميل.
وقد عجب الأستاذ محمد بهجة الأثري إذ رآه يوما واقفا في الشارع العام يدير أمر الفعلة فيأمر هذا ويصرخ بذاك وفي يده قلم وصحيفة ليدون ما يجيش بصدره من المعاني.
ولكن لا عجب: فذلك بناء نشأ في العراق.
أيها السادة
قد رأيتم أنه ما كان يمكن أن تعيش مثل تلك البلاد بلا أدب وبلا خيال.
فكيف حالها اليوم؟
كيف حال البلاد التي رفعت راية العلم والمدنية بعد أن هجع الفرس والروم؟
عرفت في بغداد ثلاثة من الأندية الأدبية: نادي القلم العراقي، ونادي المعارف، ونادي المثنى.
أما نادي القلم العراقي فهو شعبة من نادي القلم الدولي، وهو تحت رياسة معالي الأستاذ محمد رضا الشيببي، أحد الأفذاذ بين شعراء العراق، وسكرتير هذا النادي هو الدكتور محمد فاضل الجمالي مدير التربية والتدريس بوزارة المعارف العراقية.
وصلتي بهذا النادي قوية، فقد تشرفت بعضويته، وكانت حجة من رشحوني للعضوية بذلك النادي أني عراقي الروح وإن كنت مصري النشأة، وقد أنسى كل شيء ولا أنسى أيامي بذلك النادي الجميل.
وكيف أنسى سهرات ذلك النادي وفيها صخب وضجيج يذكرني بمكتب تفتيش اللغة العربية بوزارة المعارف المصرية؟
كنا نجتمع في كل شهر نحو ثلاث مرات، وما كان لنا مكان معين، وإنما كنا نجتمع كل مرة في منزل أحد الأعضاء، وكان على العضو الذي نجتمع في بيته أن يراعي مقتضيات الأحوال، فإن كنا في المدينة قدم إلينا الشاي والحلواء، وإن كان منزله في الضواحي قدم إلينا العشاء الخفيف، والعشاء الخفيف هو طعام تبقى ذكراه في الذهن نحو ثلاثة أسابيع، كالذي كان يقع في الرستمية والزوية، ومن الزملاء من تلفت أمعاؤه من ذلك العشاء الخفيف.
وفي كل اجتماع يلقى أحد الأعضاء محاضرة، ولا تسألوا كيف كنا نستمع تلك المحاضرات فمعالي الأستاذ الشبيبي هو الذي كان يستمع ، وهو من أصبر الناس على المكاره والخطوب، أما الأعضاء فكانوا يقضون الوقت في مضايقة الخطيب، وأشهد أني كنت من أوفر الناس أدبا في تلك الاجتماعات، فما كنت أعترض على الخطيب أكثر من سبعين مرة في المجلس الواحد، وقد رأى معالي الرئيس أن يريحني من المشاغبات فكان يقفل باب المناقشة بعد كل اجتماع، وهو فضل لن ينساه من كان ينقذهم تدخل الرئيس.
وفي نادي القلم العراقي عنزان ينتطحان: هما الأستاذ عباس العزاوي والأستاذ عبد المسيح وزير، وكنت بدأت أناطح الأستاذ عبد المسيح، ولكن الدورة انتهت قبل أن أشفي غليلي، فإن رجعت إلى العراق فسوف ألقاه بما يشتهي حساده وعاذلوه.
ويهتم نادي القلم العراقي بطبع ما ألقى أعضاؤه من جيد المحاضرات، وستكون مجموعة قيمة تمثل جوانب من أدب العراق في العصر الحديث.
أما نادي المعارف فهو نادي المعلمين، وهو اليوم تحت رياسة الأستاذ رشيد العبيدي - أحد المتخرجين في دار العلوم بالقاهرة - وهو ناد خفيف الروح كنت ألقى فيه أصدقائي في مساء الخميس من كل أسبوع، حيث أسمر مع الصديقين عبد الستار وحسين، وحيث أقرأ ما لا أستطيع الوصول إليه من جرائد ومجلات، وحيث أسمع إذاعة مصر والعراق وفلسطين.
وفي ذلك النادي كنت أتشرف بمقابلة سعادة الأستاذ الراوي من حين إلى حين، وقد أخذت منه كلمة بالسعي لدى ولاة الأمور ليمنحوا النادي قطعة أرض بالضواحي ليشعر أعضاؤه بأنهم أصبحوا من أصحاب الأملاك المعنوية في بغداد.