أما النثر فلاحظ له في العراق لهذا العهد، وما أذكر أني قرأت في العراق رسالة أو مقالة تضع كاتبها في الطبقة الأولى بين طبقات الكتاب المبدعين.
وكذلك حالهم في النقد الأدبي، فليس فيهم اليوم ناقد حصيف يدرك الفروق بين دقائق المعاني.
وحظهم من التأليف الجيد قليل، والصلة بين حاضرهم وماضيهم من هذه الناحية تكاد تكون منقطعة تمام الانقطاع.
وتخلف العراقيين في الإنشاء والنقد والتأليف له أسباب، فهذه الفنون لا تزدهر إلا حين تقوى الثقافة الأدبية وتستفحل، والعراقيون لم يوجهوا همهم إلى الثقافة الأدبية إلا منذ زمن قليل، أي منذ تنسموا هواء الاستقلال.
وإني لأرجو أن يصل إليهم هذا الصوت، فما أحب أن يكونوا في النقد والإنشاء والتأليف من المتخلفين، وكان أسلافهم من السابقين الأولين في هذه الميادين.
وهناك بوارق لهذه الفنون في الجرائد والمجلات، ولكنها كالبوارق التي تسبق الفجر الصادق.
وإنما نصصت على هذه الجوانب؛ لأن أهل العراق يحبون من يدلهم على مواطن التخلف، ولو كنت أعرف أن النص على هذه الجوانب يؤذيهم لراعيت ما بيني وبينهم من الحب والوداد.
أيها السادة
في العراق حياة أدبية بلا ريب، ولكن يعوزها أشياء، وهم يعرفون ما أعني.
في العراق حياة أدبية يرى المتطلع شواهدها في كل مكان، ولكني أحب أن أسمع أن العراق أصبح يسيطر على الحياة الأدبية في مختلف الأقطار العربية، كما تصنع مصر في هذا الزمان.
أنا أشتهي أن يقترب اليوم الذي تثور فيه المنافسة بين القاهرة وبغداد.
أنا أشتهي أن يقترب اليوم الذي تروج فيه المؤلفات العراقية في مصر، كما تروج المؤلفات المصرية في العراق.
إن أدباء العراق يرون زيارة مصر من الفروض، وأنا أنتظر اليوم الذي يرى فيه أدباء مصر أن زيارة العراق من الفروض.
فيا إخواني في العراق، أنا أذكركم بواجبكم، وأدعوكم إلى مضاعفة الجهد والنشاط لتصلوا بعون الله إلى ما يرجوه لكم محبوكم من خير وسداد وتوفيق.
وإلى اللقاء، يا أدباء العراق، في ميادين النضال بين القاهرة وبغداد.
إلى اللقاء القريب يوم تصبح الأقطار العربية أمة واحدة متجانسة تجانسا تاما في العواطف والمقاصد والأغراض.
إلى اللقاء القريب يوم ترفع الحواجز التي خلقتها الأوضاع السياسية فلا يحتاج الرجل إلى جواز سفر حين ينتقل من العراق إلى مصر أو من مصر إلى العراق.
إلى اللقاء القريب يوم تصبح الأخوة العربية أقوى وأمنع من أن تكدرها وشايات الواشين ونمائم النمامين.
إلى اللقاء القريب يوم يصبح الوجود العربي جسما واحدا إذا تألم منه عضو توجع له سائر الأعضاء.
إلى اللقاء القريب يوم تتوحد بيننا المذاهب التعليمية والاجتماعية والاقتصادية، يوم لا تكون الفوارق الجغرافية إلا نعمة ندرك بها كيف شاء الله أن ينوع الخيرات والبركات.
وهذا حلم قد لا يتحقق ونحن أحياء، ولكن يشرفنا أن نكون من أوائل الهاتفين بهذا الحلم الجميل.
الفصل الرابع والأربعون
| أبو العلاء في الميزان
أكتب هذا المقال في لحظات حزينة أكتوى بنارها أبو العلاء، أكتب هذا المقال وأنا أحزم أمتعتي للرحيل عن بغداد، وهو - رحمه الله - قد بكى يوم فارق بغداد، ولعله لم يعرف موجعات الحزن إلا يوم قهره الوجد على أن يقول:
أودعكم يا أهل بغداد والحشا
على زفرات ما ينين من اللذع
وداع ضن لم يستقل وإنما
تحامل من بعد العثار على ظلع
فبئس البديل الشام منكم وأهله
على أنهم قومي وبينهم ربعي
ألا زودوني شربة ولو أنني
قدرت إذا أفنيت دجلة بالكرع
أما بعد، فإني أرى أن أبا العلاء لم يكره الدنيا أبدا، ولم يكن يوم اعتزل دنياه إلا حيوانا مفترسا نزع الدهر ما كان يملك من أظافر وأنياب، ولو كان أبو العلاء كره دنياه لاكتفى منها بأيسر العيش، ولكنه عاش عمرا طويلا جدا، وطول العمر يشهد بقوة الأواصر بين المحب والمحبوب، فالقتال بين أبي العلاء وبين دنياه كان قتالا بين عاشقين يظهران البغض والحقد، ويضمران العطف والحنان.