ولكن هل في العراق حياة أدبية؟
العراقيون أنفسهم يرتابون في ذلك.
وهذا الارتياب يرجع إلى شعورهم بضعف الصلات بين حاضرهم وماضيهم، فهم يرون أنهم كانوا في العصر العباسي أئمة الناس في العلم والأدب والبيان، وينظرون فيرون بلادهم كانت خضعت أحقابا لسيطرة اللغة الفارسية واللغة التركية، ثم يتأملون فيرون القاهرة تصنع في العقول العربية ما كانت تصنع بغداد في عصر بني العباس.
وهذا الشعور يغرق أهل العراق في بحار من التأملات، فهم يجاهدون جهادا قويا لينتصفوا لأنفسهم ولأدبهم من سفاهة الزمان.
والحق أن العراق من أصلح البلاد للشعر والخيال، وترجع هذه الصلاحية إلى جو العراق، فهو شديد الحرارة في الصيف وشديد البرودة في الشتاء، ومن طبع الجو العنيف أن يوقظ العواطف والأحاسيس.
والذي عاش في العراق يعرف صحة ما أقول، فربما كان العراق هو القطر الوحيد الذي لا تنقطع فيه الحمائم عن البكاء والنحيب، ويكون ذلك حين تهجم طلائع الصيف، وترق العواطف وتضعف الأعصاب.
وفي العراق أقاليم تنقل الخواطر من حال إلى أحوال، فهناك البصرة وهي المدينة التي تجري من تحتها الأنهار، والبصرة تدخل على القلوب ألوانا من الأحزان والأفراح، بفضل ما تعرف أنهارا من المد والجزر، وما يعرف نخيلها من الشدة واللين، وما يعرف أهلوها من القبض والبسط تبعا لتقلب الفصول.
وهنالك الموصل، الموصل المزهر الذي يسمونه أم الربيعين، فللموصل قدرة عجيبة على تلوين الحزون والسهول، وهو يستقبل الربيع بمواكب تتموج من الأعشاب والأزهار والرياحين، ثم تجف أعشابه فجأة فتسبغ على النفوس أثواب الاكتئاب، وبين الأفراح والأشجان تنبغ عواطف الشعراء.
وهنالك الطغيان، طغيان دجلة والفرات، وهذا الطغيان يغزو القلوب بالروع والفزع فيجعلها صالحة أشد الصلاحية للشعر والخيال.
وهنالك الظباء الوحشية ذوات العيون والأجياد، وقد رأيتها مرات، رأيت أسرابها في طريقي إلى البصرة وفي طريقي إلى بغداد، وسمعت بأخبارها في سامراء.
وهنالك الليل، ليل بغداد الذي يطول على حلفاء الألم والأنين، ومن اسم الليل جاء اسم ليلى التي صحت في كل أرض ولم تمرض إلا في العراق.
وهنالك الصحراء، الصحراء الشامية التي تطوق العراق ، والصحراء التي تقع بين النجف وكربلاء. وكان لي مع صحراء النجف تاريخ، فقد ثارت عواصفها ذات يوم وأنا في سيارة مع ثلاثة من الأصدقاء، هم الأساتذة رزوق غنام وصادق الوكيل وتقى آل الشيخ راضي، فكانت حبات الرمل تضرب وجوهنا بقوة وعنف حتى كادت تدميها، ثم انغرزت السيارة في الرمل فظللنا هائمين لا ندري أين نتوجه نحو ساعتين.
وذلك الجو العنيف الذي يهيج الأعصاب والأحاسيس هو الذي جعل أهل العراق مضرب الأمثال في صدق اللوعة ورقة الحنين، وقضى بأن يكونوا أكثر الناس شكاية من قسوة الأيام والليالي، وما قال قائل (ياليل) في مشرق أو في مغرب إلا كان نواحه منقولا عن أهل العراق.
والعراقي حين ينتشي يضع راحته على خده ويغني غناءا شجيا تلين له الجلاميد، وربما كان السر في ذلك أن العراق قضى الدهور في كروب وأشجان، فهو طول عمره في حرب مع الطبيعة ومع الناس.
ومن أجل هذا كان أهل العراق أجرأ أهل الأرض على إعلان ما يضمرون، وهل رأت اللغة العربية شاعرا مثل الشريف الرضي يتغزل في موسم الحج وهو أمير الحج ونقيب الأشراف؟
وهل رأى الناس رجلا مثل الحبوبي؟ وكان إمام المجتهدين بالنجف، هل رأى الناس مثله وهو في منصبه الديني يستبيح أن يقول:
اسقني كأسا وخذ كأسا إليك
فلذيذ العيس أن نشتركا
وإذا جدت بها من شفتيك
فاسقنيها وخذ الأولى لكا
أو فحسبي خمرة من ناظريك
أصبحت نسكا وأضحت منسكا
وانهب العمر ودع ما سلفا
واغتنم صفوك قبل الرنق
إن صفا العيش فما كان صفا
أو تلاقينا فقد لا نلتقي
وفي العراق ينبغ الشعراء نبوغا بلا سابقة عهد بالثقافة الأدبية، ينبغون في الشعر بلا تثقيف كما تنبغ الحمائم في السجع بلا تثقيف.