الله أكبر ولله الحمد!
هذه بغداد التي قرأت عنها ما قرأت، وسمعت في وصفها ما سمعت، وهذا هو الجسر الذي قال في مثله ابن الجهم:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلين الهوى من حيث أدري ولا أدري
أعدن لي الشوق القديم ولم أكن
سلوت ولكن زدن جمرا إلى جمر
وذلك خيال باب الرصافة الذي تشوق إليه ابن نبانة السعدي، فقال:
سقيا لتغليسي إلى
باب الرصافة وابتكاري
أيام أخطر في الصبا
نشوان مسحوب الازار
حجى إلى حجر الصرا
ة وفي حدائقها اعتماري
ومواطن اللذات أوطا
ني ودار اللهو داري
وما كدت أضع أمتعتي في الفندق حتى أخذت عربة ومضيت فسلمت على وزير المعارف، فراعني أن أرى شيخا معمما أسمر الوجه فصيح الحديث، وقد سألني عن الصحراء، فأظهرت تأملي لما كابدت وعانيت، فقال: اشكر ربك، فقد قطعتها قبلك في مدة دامت خمسة وعشرين يوما قبل أن تعرفها السيارات، وكان حديثا ممتعا عرفت به من خصائص الصحراء ما لم أكن أعرف.
ومضيت فقيدت اسمى في ديوان حضرة صاحب الجلالة ملك العراق، وانتقلت فسلمت على فخامة رئيس الوزراء، وأسرعت فألقيت الدرس الأول في دار المعلمين العالية وأنا بغبار الطريق.
سلام الله وسلام الحب على أيامي في العراق.
كنت في البداية أظن أنني ما حضرت إلا لتدريس الأدب العربي، فحبست نفسي بين المدرسة والمكاتب زمنا غير قليل.
ثم رأيت أن هذا المسلك غير مقبول لأنه سيحجبني عن الخصائص الذاتية للشعب العراقي، وخصائص هذا الشعب تفسر كثيرا من دقائق الأدب في العصر العباسي، فانقطعت انقطاعا يكاد يكون تاما عن المصريين المقيمين في بغداد، وأقبلت على البغداديين أصاحبهم وأصادقهم وأقضي معهم ما تسمح به أعمالي من لحظات الفراغ.
وكانت حجتي أن الشعوب لا تموت، فبغداد التي غيرتها الأزمان من أحوال إلى أحوال لا بد أن تحفظ كثيرا من شمائلها الأصيلة لعهودها الذهبية، ولا بد من الوصول إلى بعض الأسرار التي قضت بأن ينبغ فيها كبار الكتاب والشعراء.
وما هي إلا أشهر قلائل حتى كنت على صلات بمختلف الطبقات في بغداد، وحتى صححت لنفسي أخطاء كثيرة في فهم الأدب والتاريخ.
وبغداد تنقسم في وضعها الحاضر إلى قمسين: بغداد القديمة التي كان يعيش فيها الناس قبل التمدن الحديث، وهي مدينة جافية لمن يراها أول مرة، ولكنها جذابة جدا لمن يعرف روحها الشفاف، هي مدينة تجذب من يعرف أهلها، وهم في أكثر أحوالهم على جانب عظيم من الأدب والذوق ولطف الأحاسيس وكرم النفوس.
ولن أنسى طول حياتي ما لقيت في تلك الدور الجافية من عذوبة الأرواح وصفاء القلوب.
كنت أدخل المقاهي في تلك المدينة القديمة فيؤذيني حرمانها من النظافة والتنسيق، ولكن قلبي كان يتفجر بالعطف حين أتذكر أن هؤلاء الناس قاوموا الحوادث والخطوب حتى حفظوا أصول اللغة العربية وقواعد الإسلام، وحتى استطاعوا أن يحفظوا لأنفسهم وجودا خاصا بالرغم من تصاريف الزمان.
في تلك الدور الجافية نشأ ناس تغلبوا على مصاعب أخفها الأوبئة والطواعين.
في تلك الدور الجافية خلقت عواطف وأحاسيس وأهواء.
في تلك الدور الجافية نبغ شعراء وصفوا الحب والليل.
في تلك الدور الجافية ألفت أحزاب ودبرت مؤامرات غيرت وضع العراق من حال إلى حال.
وكانت لتلك الدور الجافية تقاليد، أهمها الباب المفتوح للجائعين والملهوفين.
إليك أيتها الدور الجافية وإلى ما يعلوك من رواشن وما يحيط بك من مضايق، إليك في خشونتك التي أراها أنعم من خدود الملاح أقدم تحيتي وثنائي.
أما بغداد الجديدة فتصورها الضواحي التي أنشئت على النظام الحديث.
وهذه الضواحي تمتد إلى آفاق بعيدة على شواطئ دجلة، وفيها يعيش المياسير من أهل بغداد، هي ضواح لا تقاس إلى الجيزة أو مصر الجديدة أو المعادي أو حدائق القبة، ولكنها بالنسبة إلى بغداد القديمة تعد انتقالا سريعا إلى أجواء الرفاهية واللين.