تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن بيروت رحلت إلى دمشق مخترقا جبال لبنان، فرأيت من جمالها الأعاجيب، ولا أزال مفتونا بما شهدت في الموضع المعروف بسهل البقاع.

وفي دمشق رأيت الأستاذ محمد كرد علي والأستاذ عبد القادر المغربي وزرت بعض الزعماء وقضيت لحظات في مناجاة نهر بردي الذي خلده حسان.

ثم أسلمت نفسي إلى سيارة «نيرن» لأقطع الصحراء بين الشام والعراق ولأرى بنفسي كيف شقى أسلافنا بمخاطر البيداء.

كنت أعرف أني سأقضي أكثر من خمس وعشرين ساعة في ذلك السجن المتحرك، وكان ذلك يغرق نفسي في بحر من الانقباض، ولكن كان يعزيني ما عرفت من أننا سنستريح في كل مدينة تصادفنا في الطريق، ولم يكن في الطريق مدائن وإنما هناك محطتان هما الرطبة والرمادي.

وبعد ساعات من عبور الصحراء نظرت فرأيتنا مقبلين على مدينة فيحاء، مدينة تقع على نهر واسع تجري فيه سفائن بخارية وشراعية، فانشرح صدري، وقلت: سنستريح لحظات، ثم عجبت من جهلي بالجانب الجغرافي من ذلك الطريق، فما كنت أعرف أن هناك مدينة تقع على نهر عجاج، وترحمت على أستاذي إسماعيل بك رأفت الذي أسقطني في امتحانات الجامعة المصرية مرتين لقلة ما كنت أعرف من دقائق علم الجغرافيا وعلم وصف الشعوب.

ولكن لم تمض غير دقائق حتى اختفت تلك المدينة مرة واحدة، فعرفت أنها كانت أضلولة من أضاليل السراب.

وبعد نصف ساعة لاحت مدينة جديدة، فتأملت مرة ومرتين ومرات فتأكدت أنها مدينة حقيقية، وكنت كلما اقتربت منها زدت يقينا بأننا سنستريح بعد لحظات، وتمتاز تلك المدينة بما يكثر فيها من منارات المساجد وأبراج الكنائس، وبما يحيط بها من حدائق وبساتين، وقد نظرت فرأيت حولها فرقة من الجيش تسير نحو الشرق، وفوق ذلك الجيش يحلق سرب من الطيارات.

ما اسم تلك المدينة؟ ولمن ذلك الجيش؟ ولأي غرض يتجه نحو الشرق؟ آه من جهلي بدقائق علم الجغرافيا وعلم وصف الشعوب!

كنت أستطيع أن أسأل بعض المسافرين عن تلك المدينة، ولكني خجلت من السؤال، فقد كان فيهم من يعرف أني ذاهب لخدمة العلم في العراق، ومن كان في مثل حالي لا يليق به أن يجهل هذه البسائط الجغرافية.

وما هي إلا دقائق حتى اختفت هذه المدينة، وعرفت أنها كتلك: أضلولة من أضاليل السراب.

ولكن خداع السراب لن يستمر طويلا، فقد أقبلنا على واحة كثيرة النخيل، قد انتثرت فيها منازل صغيرة أكثرها أكواخ، وفيها ألوان من الحيوان أكثرها الإبل والشاء، وفيها عدد قليل من الأعراب.

لم أطرب كثيرا لظهور هذه الواحة، فقد كنت أستبعد أن نقف عندها لحظة أو لحظتين، فما فيها - فيما أظن - مطاعم ولا مشارب حتى يستريح بها المسافرون.

ولكنها على كل حال فرصة للنزول، وسأقترح الوقوف عندها بضع دقائق.

آه، ثم آه!

هذه أيضا أضلولة من أضاليل السراب.

ولكن هذه الأضاليل ستقفني بعد أشهر موقفا سخيفا جدا، ستكون حفلة الافتتاح للمؤتمر الطبي العربي في بغداد، وسيكون فيها الوزراء والنواب والأعيان وكبار الأطباء، وسيلقى الأستاذ علي الجارم بك قصيدته في تحية المؤتمر فيقول في وصف البيداء:

طالت بنا الصحراء حتى

خلتها أبد الأبيد

يتخلص المرمى البعيد بها إلى مرمى بعيد

كتخلص الحسناء من

وعد طوته إلى وعود

فأصرخ: أعد يا أستاذ، أعد الكلام عن وعود الحسان!

وعندئذ يتلفت الحاضرون فيرون الدكتور زكي مبارك هو الذي يستعيد، فيقول بعضهم لبعض: هذا مجنون ليلى، ولا حرج على المجانين!

وعذرهم في اللوم مقبول فما عرفوا من أضاليل السراب مثل الذي عرفت. •••

ثم وصلت إلى الرطبة تعبان فلم أذق معنى للراحة هناك.

وبعد نصف الليل قضينا مدة في الرمادي فذقت أول مرة طعام العراق، وبعد الفجر رأيت أفواج الفلاحين وهم يسيرون بمواشيهم إلى حقولهم على الأسلوب الذي يجرى عليه الفلاحون المصريون.

وبعد تفتيش الأمتعة أخذت سيارة لأدخل بغداد بعد أن بقيت في ذلك السجن المتحرك مدة طويلة رأيت فيها الشروق والغروب ثم الشروق. •••

وحي بغداد · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ٧٢