وفي الأحياء الجديدة ميل شديد إلى الأناقة والتنسيق، ولن تمضي غير سنين قلائل حتى تخلق بغداد كلها خلقا جديدا، بفضل أبنائها الذين يزورون مصر وغير مصر فينقلون إلى وطنهم بذور الحضارة والعمران. •••
ليس في بغداد مواصلات سريعة على نحو ما في القاهرة أو الإسكندرية، فليس فيها ترام ولا مترو، وسيارات التاكسي قليلة جدا، وإنما يعتمد أهل بغداد على عربات تجرها الخيل، وهناك سيارات عمومية تسمى «باسات»، وهي قذرة وضيقة ولا يركبها في الغالب إلا الطبقة الشعبية.
والنساء في بغداد يؤثرن الحجاب، وهو الزي الغالب على النساء المسلمات، والسفور لا يشيع إلا بين نساء النصارى واليهود، على أن تلميذات المدارس من المسلمات ينتقلن رويدا رويدا إلى السفور، ومن المنتظر أن يصرن بعد نحو عشرين عاما إلى ما صار إليه الفتيات القاهريات، إن لم تقع موجة اجتماعية تردهن جميعا إلى مأثور الحجاب.
وأهل بغداد لا يشربون الخمر على قارعة الطريق كما يقع في بعض الحواضر المصرية، وإنما يشربونها في فنادق مغلقة الأبواب، وذلك أدب مقبول.
وقد أذيعت منذ أشهر أوامر توجب أن لا تقدم الخمر في الفنادق والملاهي بعد الحادية عشرة مساء، حفظا لصحة الشعب وآدابه من التبديد.
وفي العراق مدن لا يباح فيها بيع الخمر علانية، وأشهر المدن في هذا المعنى مدينة النجف، وهي مدينة كبيرة، ولكنها مع ذلك خالية من الملاهي والملاعب والمراقص، ولم يدخل فيها الراديو إلا بعد جدال طال أمده بين العلماء.
ولما زرت النجف جلست على قهوة، فلامني إخواني هناك، وقالوا: سيكتب في التاريخ أن الدكتور زكي مبارك حين زار النجف جلس على قهوة!!
وسمعت أن أحد الموظفين بالكوفة كان يشرب الخمر سرا، فلما علم الأهالي بخبره طاردوه إلى أن نقلته الحكومة من هناك.
ويمكن القول بأن أهل العراق في جملتهم ينكرون شرب الخمر، تشهد بذلك الحفلة التي أقامها فخامة رئيس الوزراء لأعضاء المؤتمر الطبي فلم يكن فيها شراب غير الماء القراح، ومعنى هذا أن آداب الإسلام لا تزال مرعية في تلك البلاد.
وهناك شارع مشهور يسمى شارع أبي نواس، وكنت أظنه يشبه شارع وجه البركة في القاهرة، فلما رأيته عجبت، لأنه شارع نظيف جدا يساير دجلة بحيث يمكن أن نسميه كورنيش بغداد، وفيه قهوات لا يباح فيها شرب الخمر على الإطلاق.
وإنما نصصت على هذا الجانب من حياة أهل العراق لأنه يدخل في صميم المجتمع، ويمثل أذواق الناس أصدق تمثيل.
وقد لوحظ أخيرا أن الفنادق التي تبيع الخمر تكثر فيها المشاجرات، فاهتمت الحكومة بالأمر وبثت حولها الأرصاد والعيون.
ويتصل بهذا ما شهدته حين دخلت بغداد فقد عرفت أن هناك أوامر تعاقب من يفطرون علنا في رمضان، وكذلك ينقضي شهر الصوم وليس فيه مطعم مفتوح أثناء النهار، وليس معنى هذا أن أهل بغداد يصومون جميعا، ولكن معناه أنهم يراعون آداب الصيام.
وملاهي بغداد تنقسم إلى قسمين: ملاه شرقية، وملاه غربية.
أما الملاهي الشرقية: فتقوم على الغناء والرقص على نحو ما كنا نشهد في القاهرة منذ سنين، وقد عرفت أن البغداديين لا يصفقون حين يطربون للغناء، وهذا فيما علمت كان من أسباب الوحشة التي أحسها الأستاذ محمد عبد الوهاب حين غنى هناك.
أما الملاهي الغربية: فتقوم على الرقص الإفرنجي، وهي ملاه قليلة جدا؛ لأن الذهب إليها يعد من العيوب، وهي مع ذلك تزدحم بالرواد في أكثر الليالي.
ومن هذا تفهمون أن المجتمع العراقي يعاني صعوبة الانتقال من وضع إلى وضع.
وما نقول به في الحكم على مدينة بغداد نقول به في الحكم على مدينة البصرة، ففيها رأيت مرقصا إفرنجيا لو شهده الجاحظ لكتب في وصفه رسالة أو رسالتين!!
وقد أقمت في مدينة الموصل خمسة أيام فرأيتها أكثر احتشاما من البصرة وبغداد، والسر في ذلك أن الموصل يكثر فيها النصارى فيحرص المسلمون على آدابهم أشد الحرص ليقيموا التوازن بين المذاهب ويذهبوا قالة السوء عن العقيدة الإسلامية. •••