وسبحان من لو شاء لهدانا جميعا إلى سواء السبيل.
الفصل الثاني والأربعون
| بعض ما رأيت في العراق1
أيها السادة
تفضلت الإذاعة اللاسلكية فدعتني لإلقاء محاضرتين عن العراق، فرأيت أن أقسم الموضوع إلى قسمين:
الأول:
أصور به بعض ما رأيت في العراق.
والثاني:
أصور به الحياة الأدبية في العراق.
وأبدأ فأذكر أن هجرتي إلى العراق لم تكن تخطر بالبال، فقد كانت لي في مصر شواغل تصرفني عن التفكير في ذلك، ثم فوجئت بالدعوة إلى خدمة العلم في العراق في مطلع شهر أكتوبر من السنة الماضية، فترددت في قبول الدعوة، ثم قلت في نفسي: إن من العقل أن أعرف جوانب من الشرق بعد أن عرفت جوانب من الغرب، وصح عندي أن الهجرة إلى العراق قد تشرح دقائق الأدب في العصر العباسي، وليس من المقبول أن يصح لمثلي أن يصف باريس عن علم ويصف بغداد عن جهل .
وما هي إلا أيام حتى كنت في طريقي إلى العراق، ولعلى كنت المصري الوحيد الذي لم يطل بينه وبين المفوضية العراقية أخذ ولا رد في شروط العمل بالعراق.
ولكن كيف أصل إلى العراق؟
كانت هناك مسالك للوصول:
الأول:
الوصول بالطيارة، وهو أسهل الطرق، لأنه يمكن المسافر من الفطور بالقاهرة والعشاء في بغداد، ولكني تذكرت أني أعطيت جماعة من تلاميذي موضوعا للإنشاء منذ عشر سنين عن (خطر انعدام المسافة في العصر الحديث) وكنت أرى أن الطيران قضى على جانب مهم من الأدب الوصفي، فلن يكون في الدنيا بعد اليوم رجل مثل ابن بطوطة ولا رجل مثل چان چاك روسو، وأنا أرى الشرق العربي أول مرة، فليس من المفيد أن أسافر في طيارة فأحجب عما فيه من أنهار ومدائن وسهول.
الطريق الثاني:
هو طريق البحر من الإسكندرية إلى بيروت، وهو يعطي الفرصة لرؤية لبنان وسورية، ولكنه يحرمني رؤية فلسطين، ويحبسني في البحر يوما وبعض يوم، وأنا ركبت البحر إلى أوربا أكثر من عشر مرات وشبعت منه وشبع مني.
الطريق الثالث:
هو السفر من القاهرة إلى القنطرة لاخترق فلسطين بالقطار حتى أصل إلى حيفا، ومنها إلى بيروت ثم إلى الشام ثم إلى بغداد.
ولكن طريق فلسطين كان في ذلك الوقت محفوفا بالمكاره، فقد كانت البرقيات تحدثنا أن الثوار ينسفون القطارات، فلم يصرفني ذلك عن المرور بفلسطين، لأني كنت أحب أن أرى البلاد التي يقتتل حول خيراتها العرب واليهود، وقد نهاني بعض الزملاء المسافرين إلى العراق فلم أنته، وتفردت بتلك المغامرة لأكحل جفني برؤية فلسطين.
وصلت إلى القنطرة في ليلة قمراء توحي غرائب الشعر والخيال، فعلمت أن القطار سيتأخر قيامه من هناك ثلاث ساعات حتى لا يدخل فلسطين إلا مع ضوء الصباح، تجنبا لمخاطر التعرض لنسفه بالليل، وكذلك عرفت أن من نهوني عن المرور بفلسطين لم يكونوا مخطئين.
قضيت ساعات في مناجاة قناة السويس والتأمل فيما صنعت مصر لخدمة الإنسانية، الإنسانية الجاحدة التي جهلت ما قدمت مصر من جميل.
وقفت أنظر كيف خدمنا بني آدم وكيف أتعبنا أجسادنا وأفقرنا جيوبنا لنسهل وسائل النفع ولنصل بين المشرقين والمغربين، ثم لا نجد من يتفضل بكلمة ثناء.
وسار القطار قبيل الصبح فبخلت على عيني بالهجود لأرى أطراف مصر من ناحية المشرق ولأنظر بساتين فلسطين.
ولم يكفني ما رأيت من فلسطين في الذهاب فقررت المرور عليها في الإياب لأتمتع باختراقها مرتين ولأقتنع بأنها بلاد جميلة جذابة تستحق ما ثار حولها من النضال.
ولم أبت في فلسطين إلا ليلة واحدة عند الرجوع، وكانت ليلة متعبة، فقد كان محرما على أهل حيفا أن يتجولوا بالليل، وكان من الحزم أن أقضي سهرتي في رحاب الفندق، وإن حرمني ذلك شهود المجتمع الفلسطيني في تلك المدينة البيضاء.
وأعود فأقول إني امتطيت سيارة في ذهابي من حيفا إلى بيروت وفي بيروت قضيت ليلة واحدة كانت أبقى أثرا من الليالي الطوال، مضيت أتنقل في بيروت من مكان إلى مكان بعد أن ألقيت أمتعتي في الفندق، ثم اتفق أن عرفني بعض الأدباء هناك فساقني ذلك إلى زيارة أكثر الجرائد واندفعت فجاذبت أهل بيروت أطراف الأحاديث، وعرفت ألوانا من عتابهم على مصر والمصريين، وقد تعقبوني بعد أن وصلت إلى العراق فكان بيني وبينهم مناوشات ستعرفون أخبارها حين أنشر كتاب «وحي بغداد».