تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

عجبت ليلى من أن أخلق لها المحاسن وهي في غاية من الشراسة وسوء الأدب، وأنا أعجب مما تعجب منه ليلى، وإلا فكيف اتفق أن أخلق لها المحاسن وهي تختلق لمحبوبها العيوب؟

8

أحسنت وأساءت ليلى، وهي مع ذلك ترجو أن أستغفر لتمن بالغفران.

9

إن ليلى تجهل السبب فيما أسبغ عليها من رفق وعطف.

والظاهر أنها كالكريم الذي تجهل يسراه ما أعطت يمناه.

فاعرفي يا ليلى أني لا أتصدق عليك بالرفق والعطف، وإنما أقضي الديون الثقال، فقد قضيت في حماك لحظات كانت أطيب من الأمن بعد الخوف، وأنضر من النعيم بعد الشقاء.

10

سألني تلاميذي: من أشعر الناس؟ فأجبت هو الذي يقول:

لئن ساءني أن نلتني بمساءة

لقد سرني أني خطرت ببالك

11

أطلعتني ليلى على مقال نشرته إحدى المجلات المصرية وفيه ألفاظ غلاظ فابتسمت متكرها، وقلت: «جرح الأحبة عندي غير ذي ألم»، وهم والله أحباب.

12

السيارات العمومية في بغداد ضيقة جدا، ورديئة جدا، والصعود إليها متعب ، والنزول منها متعب.

كنت في إحدى هذه السيارات في يوم غزير المطر كثير الأوحال فتقدمت سيدة لتركب، سيدة لها وجه رائع، وجسم فينان، وكان صعودها إلى السيارة لا يتم بسهولة إلا إذا مددت يدي فعاونتها على الصعود، وما كان في ذلك بأس، ولكني خشيت أن أمد إليها يدي فيتغامز الركاب، وفيهم كسائر الناس طيب وخبيث.

وقضى الوحل والمطر أن تزلق قدم تلك السيدة وأن تفوتها السيارة.

قلت في نفسي: إن الناس يمن بعضهم على بعض فيقول قائلهم: لقد ضحيت براحتي ومالي في سبيل كيت وكيت.

فما الذي كان يمنع من أن أبتدع فنا جديدا من التضحية، هو التضحية بالسمعة في سبيل الخير؟

ليتني فعلت وأنقذت تلك السيدة من الزلق في الوحل.

13

تقول ليلى إنها ستتعقبني وأنا في مصر كما تعقبني أصدقائي وأنا في العراق.

تأدبي يا ليلى فالله من ورائكم محيط.

14

ما كنت أحسب أن الليل يعقبه نهار، وأن النهار يعقبه ليل، وأن المرء ينتقل من الشباب إلى المشيب، وما كنت أظن أن المقادير ستحكم بأن أعاني ضجر السهاد في باريس وفي بغداد، وما كنت أتوهم أن الأقدار سترغمني على مداراة أحبابي، وما كنت أتوقع أن أسمع كلمة تؤذيني من صديق يلين له الدهر فيقضي الأصائل والعشيات في شارع فؤاد.

وما كان يخطر بالبال أني أسقي الناس الشهد ليسقوني الصاب، ذلك حظي من أهلي وأحبابي وأصدقائي ودنياي.

لا تحزن يا قلبي، فالعاقبة للصابرين، وسوف تعلم ويعلمون.

15

لي صديق مولع بإخلاف المواعيد، فلما عاتبته على ذلك قال: ما أذكر أبدا أني أخلفت معك موعدا، وإنما أذكر أني كنت أحضر قبل الموعد بنصف ساعة على الأقل.

فقلت: ذلك أبشع ضروب الإخلاف.

وفقهاء الإسلام نصوا على أن الصلاة لا تقبل إلا حين تجب بحلول الوقت.

وهذا من الآداب الدقيقة التي لا يدرك أسرارها إلا الأقلون، وكم في الإسلام من آداب.

16

لقيني صديق فقال: أنا أعجب لاهتمامك بمصالح فلان.

فقلت: وما وجه العجب؟

فقال: إنه يغتابك عند جميع الناس.

فقلت: وما الذي يمنع من أن نتخلق بأخلاق الله، وقد أمرنا الله بذلك وهو عز شأنه يسبغ نعمته على الكافرين والجاحدين؟

لقد أصبحت أؤمن إيمانا صادقا بأن الكرم الحق هو أن تحسن إلى من لا يحفظ الجميل.

ولنا في الله - تباركت صفاته - أسوة حسنة.

17

ذهبت إلى فرنسا وأنا مسلم ورجعت منها وأنا مؤمن.

ولكن كيف؟

ذلك هو السؤال!

18

لقيني أحد البغداديين، فقال: هل هذا صحيح؟

فقلت: ماذا؟

فقال: إن الأستاذ علي الجارم بك ألقى خطبة في محطة الإذاعة المصرية أكد فيها أن بغداد أدفأ من القاهرة في الشتاء.

فقلت: وأنا أجزم بأن بغداد في الشتاء أدفأ من مصر الجديدة ومن حلوان.

فقال: أنتم في سبيل المجاملة تقلبون الحقائق.

فقلت: هذا صحيح في بعض الأحيان ولكننا في هذه المرة نقلب الحقائق لنصل إلى حقيقة أعظم وأروع.

وحي بغداد · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ٥٩