أنا لا أخاف من الجهر بكلمة الحق، ولكني أعرف أن الصراحة في هذا الموطن لها عواقب، وقد أعرض الصحفيين العراقيين إلى موقف شائك، فقد تغضبهم صراحتي فيهجمون على رجل لا يملك وسائل الدفاع.
والحق الذي يعرفه الجميع أنني رجل مشاغب، ولكنني أعجز عن الشغب في العراق؛ لأن الحكومة المصرية بالمرصاد، وقد يسوءها أن أشتبك في معركة أدبية فتطلبني بالبرق لا بالبريد.
ومن المؤكد عندي أن الصحفيين العراقيين تأبى شهامتهم أن يهجموا على رجل أعزل، ولكن من المؤكد أيضا أنه لا يليق بي أن أستغل شهامتهم فأهجم عليهم ثم أحتمي بحقوق الضيافة، فليكن عندكم أنتم جواب هذا السؤال.
وأنتهز هذه الفرصة فأقرر أن مشاغباتي لم تخرج من حدود مصر، لأن أدباء مصر يحتمل بعضهم شر بعض، أما الأدباء غير المصريين فكنت أتلطف معهم في جميع الأحوال، وكانت حجتي في ذلك أن ما أفسدته السياسة يجب أن يصلحه الأدب، ونحن لا نحمل القلم لنمزق الأواصر بين الشعوب العربية، وإنما نحمل القلم لنصلح ما بين القلوب.
وأنتهز هذه الفرصة أيضا فأقدم أصدق آيات الثناء إلى من أكرموني في العراق، راجيا أن لا يمر أحد منهم بمصر بدون أن يراني، فسأكون بإذن الله من صور العراق في مصر، كما كنت من صور مصر في العراق.
وأنتهز هذه الفرصة مرة ثالثة فأقدم التحية إلى من داعبوني في الجرائد والمجلات، فهذه المداعبات هي شاهد المودة والإخلاص، وسأجزيهم على مودتهم الغالية فأذكرهم بالخير عند مصدر الوحي، في حضرة ليلى المريضة بالعراق شفاها الله وشفاني، وشفى من أجلها ومن أجلي جميع الملاح وجميع المفكرين.
أيها الصحفيون العراقيون
اشتموني مرة أو مرتين لأصدق أن أهل العراق ناس كسائر الناس يحسنون ويسيئون، فقد كاد كرمكم ينسيني أهلي وأبنائي وما يجوز في شريعتكم أن ينسى الرجل حقوق الأهل والأبناء.
الفصل الخامس والثلاثون
| حقائق وأباطيل
1
وعدت ليلى ثم أخلفت.
فهل تعلمين يا ليلى عواقب ما تصنعين؟
تذكري يا ليلاي أن النظام هو سر هذا الوجود.
فلو أخلف النيل لهلك المصريون، ولو أخلفت دجلة أو الفرات لهلك العراقيون.
تذكري يا ليلى أن الإخلاف هو سبب الموت، فلو عرفت الأعضاء معنى النظام لكان الموت من المستحيلات.
لو عرف الإنسان متى يأكل، ومتى يشرب، ومتى يستريح؟ لعاش على الأقل مثل ما عاش نوح، وكان عمره أطول من صدودك، أيتها الحسناء الظلوم.
ليلاي
كان إخلافك جريمة، والمجرم الأعظم هو من يثق بعهود الملاح.
2
لي صديق عزيز جدا شاء له هواه أن يقول إنه وصل يوم كان في سن العشرين إلى ما لم أصل إليه بعد أن جاوزت الأربعين.
وهذا صحيح فما استطعت في سن العشرين ولا الثلاثين ولا الأربعين أن أقول لأحد أصدقائي «إني أفضل منك».
وما أنكر أني قد أبلغ أقصى حدود العنف حين أحارب أعدائي، ولا عيب في ذلك فالجروح قصاص، ولكني مع أصدقائي مثال الأدب والوفاء.
فإن كان لأصدقائي شيء من النفع حين يزعمون أنهم أفضل مني فهنيئا مريئا، وإن كنت أتهمهم بالبخل، إي والله أتهمهم بالبخل، فالحكم بأنهم أفضل مني مزية كنت أحب أن أسبقهم إليها، ولكن لا باس فأنا أحب أن يكون لهم فضل السبق في كل نضال.
عفا الله عنك يا صديقي وحفظك ورعاك.
3
ليتني أعرف من الشاعر الذي يقول:
سيذكرني الناسون يوم تشوكهم
شمائل من بعض الخلائق سود
سيذكرني الناسون حين تروعهم
صنائع من ذكرى هواى شهود
فوالله ما أسلمت عهدي لغدرة
ولا شاب نفسي في الغرام جحود
ولا شهد الناسون مني جناية
على الحب إلا أن يقال شهيد
4
أن أزن الذوق بميزان الذهب، ولكن مع من؟ مع صديق يكيل الذوق بمكيال.
5
لطمتني ليلى بالأمس فغفرت وصفحت، لأن كفها لين، ولأن وجهها جميل.
6
تنمرت ليلى وتمردت، فقلت: اصنعي ما شاء لك الدلال بالئيمة فأنا آخر من يغفر الذنوب لأهل الجمال.