تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقال: وما هيه؟

فقلت: إن الصداقة الصحيحة لا تقوم إلا على أساس واحد، هو أن تعتقد أن صديقك أفضل منك، فإن اعتقدت بأنك أفضل منه فلست بصديق.

وعلى هذا الأساس تكون بغداد أدفأ من القاهرة في الشتاء.

وقديما قيل: عين المحب عمياء.

19

أجمع كل من حادثوني على أن الفرق بعيد جدا بين زكي مبارك المؤلف وزكي مبارك المحدث، وأنا عند أكثرهم مؤلف عظيم ومحدث سخيف.

وقد بحثت عن السبب فعرفت أنه يرجع إلى أني حين أؤلف أكون مع نفسي وحين أتحدث أكون معهم ... هل فهمتم يا بني آدم؟

20

لي في بغداد أهل، وربما كنت أول مصري له في بغداد أهل وكان لي في باريس أهل، وربما كنت أول مصري كان له في باريس أهل، فما سر هذا البخت المدهش؟

يغلب على الظن أن السبب يرجع إلى الفطرة التي صيغت عليها عيوني، فما دخلت بيت صديق واستطاع بصري أن يرى فيه شيئا غير جميل.

21

لامني صديق فقال: ما قرأت لك كتابا ولا مقالا ولا قصيدة إلا رأيتك مشغولا بالحب، فما هذا الإسراف؟

فقلت: لا تؤاخذني يا مولاي فأنا أريد أن أملأ أقطار قلبي بالحب حتى لا يوجد فيه مجال للبغض.

22

ظهر كتاب «عبقرية الشريف الرضي» في جزأين، ويقول أهل العراق إنني أحييت الشريف، وأشهد صادقا أن الشريف هو الذي أحياني.

23

كان لي في القاهرة صديق مظلوم تساق إليه التهم الكواذب بلا حساب، وقد رأيت أن أكون نصيره في بلواه، فكنت أتردد على منزله وكأني أجهل ما يفتري المفترون.

ألا يمكن أن يكون ما ظفرت به من التوفيق هو الجائزة الربانية على وقوفي صابرا محسبا في صفوف المظلومين؟

24

عين الرضا كليلة لا ترى العيوب، وعين السخط حادة ترى ما خفى من العيوب، كذلك كان الناس يفهمون.

ألا يمكن أن نرفع الإنسانية قليلا؟

ألا يمكن أن تضعف أبصارنا عن رؤية العيوب في أعدائنا؟

إنك يا ربي تعلم أنني أخلق المحاسن لأعدائي، وأنا أرجو منك حسن الجزاء.

25

لي مؤلفات كثيرة لم تنشر، وقد أصبحت أرى من الواجب أن أنفق عليها كما أنفق على أطفالي، لتستطيع التنفس في جو الحياة الأدبية.

فيا مؤلفاتي ويا أطفالي ...

رزقي وأرزاقكم على الله ...

وإن بقيت لكم فسترون بإذن الله كيف يكون كرم الآباء.

26

لي منزل في سنتريس تحيط به حديقة غناء.

وفي ذات يوم نظرت فرأيت أبي رحمه الله يشير بإقامة (مصطبة) بجانب سور الحديقة، فسكت ولم أعترض.

وبعد أشهر أو أعوام ضايقني أن تكون تلك المصطبة هي المكان المختار الذي يجلس فيه العاطلون من الفلاحين.

فمضيت إلى أبي، وقلت في ترفق: أنا أقترح هدم هذه المصطبة، فقال: ولماذا؟ فقلت: لأني أراها أصبحت ملاذ العاطلين.

فابتسم وقال: ولكن هذه المصطبة لها فضل على منزلك يا بني.

فدهشت وقلت: كيف؟ كيف؟ أوضح يا أبي.

فقال: هذه المصطبة هي الوحيدة في الحي كله، ومن أجلها يجلس الخفير على باب منزلك طول الليل.

يرحمك الله يا أبي، فقد كنت حكيما.

27

وعلى مصطبة ذلك المنزل رأيت طفلا يلعب وبيده صقر جريح، وما كان صقرا وإنما كان فرخ صقر، وبدا لي أن أداعب ذلك الفرخ فعض إصبعي عضة إليمة جدا، فتوهمته يقول: احترس من الشجاع يوم ينهزم، واحترس من البطل يوم يضام، فللمهزومين من الشجعان والأبطال غضبات.

28

ثار تلاميذي بالأمس لأني فرضت عليهم من الواجبات ما لا يطيقون.

معذرة يا تلاميذي فإن أستاذكم يفرض على نفسه ما لا يطيق.

الفصل السادس والثلاثون

| خطاب تهديد

من صديق ليلى الباريسية إلى الدكتور زكي مبارك ... صاحب الصباح

أعرف أنك رجل تميل إلى إرضاء قرائك، فتحب ما يحبون وتكره ما يكرهون، وأنا من قرائك القدماء، لولا أن بيني وبينك قضية، خلاصتها أنك تحب ما لا أحب، ومن لا أحب، فكأنك تبخل علي وحدي بما تجود به على قرائك.

وقد تسألني مثلا لذلك، فأقول لك - بكل اختصار - إنك تفرط في حب رجل أنا من القلائل الذين لا يحبونه.

وحي بغداد · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ٦٠