من هو الأديب الذي تعتقدون بحق وإخلاص أنه أحسن أدباء العربية في الوقت الحاضر مع ذكر اسمه؟
وأقول مرة ثانية إن فيكم رجعة إلى عقيدة التوحيد، مع أن الشرك أفضل في هذا المجال، ولكن لا بأس من الإشارة إلى أن الأدباء المصريين في الوقت الحاضر يتسامون جميعا إلى هذا اللقب الطريف، وسيموت منهم ناس قبل الأوان بفضل الكدح، وأخشى أني أقول مثلا إن خصومتي مع الدكتور طه حسين ستقصف عمري، لأني أحاول طرد مؤلفاته من الأسواق لتحل محلها مؤلفاتي، ولأغتصب ما ادعاه لنفسه من زعامة الأدب العربي، وستنقل جرائد مصر هذه الكلمة وسيبيت الدكتور طه مؤرقا لأنه سيتذكر أنه لم يؤلف كتابا في قوة كتاب «النثر الفني».
ومن شواهد هذا النضال تلك الحمى المخية التي ترونها في أدباء مصر، وإلا فما الذي يوجب أن نرى اسم العقاد واسم المازني في جميع الجرائد والمجلات؟
وما الذي يوجب أن يصبح هيكل أعشى لا يكاد يبصر بفضل سهر الليل؟
وما الذي يوجب أن تهجم الشيخوخة على الأستاذ أحمد أمين؟
ولأي سبب يذوى غصن الأستاذ محمد عبد الله عنان حتى كاد يضاف إلى الفانين؟
إن الأدباء المصريين مجانين، وهم سيقتلون أنفسهم، وسيقتلونني معهم، لا عفا الله عنهم، ولا حشرهم إلا في زمرة السفهاء.
على أن المصائب لا تخلو من منافع، فهذه المنافسة التي ستصرعنا جميعا هي التي جعلت هذا العصر أعظم عصور اللغة العربية، هي التي جعلت المطابع المصرية تخرج في كل عام نحو أربعة آلاف كتاب وهي التي جعلت الأديب العربي يستطيع أن يجد في كل يوم كتابا جديدا يقرؤه بلذة وشوق، والتي جعلته يعجز عن متابعة ما ينشر في الصحف والمجلات، وهذا أمل كنت دعوت إليه منذ سنين فتحقق بأقوى وأعنف مما كنت أريد. •••
أتراني أخلفت ظنك في الجواب الأول والجواب الثاني؟
لا بأس فقد تجد شيئا في الجواب الثالث أو الرابع.
تسأل عن الأسباب الرئيسية التي أخرت النهضة الأدبية في العراق؟
ومعنى هذا أنك تقول بتأخر النهضة الأدبية عندكم، فاسمح لي بتسجيل هذا القول، فإنه مهم جدا، وهو يشهد بأن النهضة الأدبية موجودة بالفعل، وعدم الرضا عما تملك يشهد بأنك أهل لأكثر مما تملك، وأنا أحتفظ بآرائي في نهضة العراق إلى الوقت الذي أتحلل فيه من التشرف بخدمة العراق، فقد يقال إنني ضيف يحدوه حسن الأدب على الرضا عن كل ما في البيت، مع أن الواقع أن في العراق نهضة أدبية تستحق الاهتمام والتشجيع، وليت الزمن يسمح بتسجيل آثارها بعد حين، على أنه لا مفر من الاعتراف بأن النهضة الأدبية الحاضرة أقل مما ينتظره الأدب من العراق والأسباب الرئيسية كثيرة، أهمها ما يأتي:
أولا:
كان التعليم في العراق باللغة التركية إلى عهد قريب، وكان من أثر ذلك أن أصبح أكثر الرجال المثقفين لا يملكون القدرة على الإنشاء والتأليف باللغة العربية كما يملكون ذلك باللغة التركية، فهم في أنفسهم أدباء ومفكرون، ولكنهم يعجزون عن تغذية النهضة الأدبية، وهذا العائق لن يدوم لأن الجيل الحديث يتعلم باللغة العربية.
ثانيا:
شغلكم النضال السياسي عن الأدب فضعف النشر والتأليف.
ثالثا:
وزارة المعارف عندكم مشغولة بإعداد المدرسين، ويمنعني الذوق من التصريح بأنها مصروفة عن إعداد الأدباء والمؤلفين، ولعلها تعدل منهاجها بما يجمع بين المزيتين.
أما الوسائل التي تعين على تقوية النهضة الأدبية في العراق فكثيرة وميسورة.
ويحسن النص بوضوح على وجوب الإكثار من البعثات إلى القاهرة فإن القاهرة تؤدي في العصر الحديث ما كانت تؤديه بغداد في العصر العباسي، وهذه البعثات المنشودة يجب أن تكون تحت رعاية رجل مسئول، فالقاهرة مدينة كبيرة، وفيها عيوب المدائن الكبيرة، والمحاسن الحقيقة في القاهرة تحتاج إلى دليل، ولو استطاع الشاب العراقي أن يعيش في القاهرة عيش الموفقين لكان في مقدوره أن ينفع وطنه أجزل النفع حين يعود.