تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فما الذي يمنع من أن يكون لكم في القاهرة دائرة تسمى البعثة العراقية، ما الذي يمنع أن يكون لكم في القاهرة خمسون أو ستون يتخصصون في الدراسات الأدبية ليعودوا فينشئوا في بغداد مدرسة مثل دار العلوم أو معهدا مثل كلية الآداب؟

إن هذه البعثات التي أنشدها ستنفع العراق من ناحيتين.

ستنفع من الوجهة الأدبية، وستنفع من الوجهة العمرانية.

أما الوجهة الأدبية فظاهرة، وهي كفيلة بأن تخلق التنافس الأدبي بين القاهرة وبغداد، وأنا أتطلع إلى اليوم الذي يقع فيه هذا التنافس لتزداد القاهرة حياة إلى حياة.

أما الوجهة العمرانية فتحتاج إلى شرح:

وبيان ذلك أن القاهرة في هذا العصر أصبحت مدينة هائلة جدا ولا يعرف قيمتها إلا من يراها رأي العين، وفيها ضواح لا تعرف أمثالها باريس، والشاب العراقي حين يعيش في القاهرة ويرى الزمالك والجيزة والمعادي وحلون ومصر الجديدة وحدائق القبة سيذكر ولا ريب أن من واجبه أن يفني عمره في تجميل بغداد، ولا بد للعراق من شبان يؤذيهم أن تظل بغداد على ما هي عليه، ولا مؤاخذة يا سيدي، فأنا متألم لحال بغداد، ولو كان بيدي شيء من الأمر لأريتكم كيف يكون تخطيط عاصمة الرشيد.

هذه وسيلة.

أما الوسيلة الثانية فإيجاد الجوائز الأدبية، ومن الممكن تخصيص ألف دينار في كل سنة توزع منها الجوائز على المتفوقين في اللغة العربية، ولو صنعتم ذلك لضمنتم الظفر بطلائع الحياة الأدبية، وأظنني ضمنت لكم جائزة النحو في البصرة، فقد ألقيت فيها محاضرة ثم اقترحت على سعادة المتصرف وسعادة مدير المعارف هناك إنشاء جائزة نحوية، فإن من العيب أن لا يتفوق أهل البصرة في النحو، وكان أهلها أساتذة الناس في هذا الباب، ضمنت لكم هذه الجائزة؛ لأن من العسير أن يخذلني سعادة متصرف البصرة، أو سعادة مدير المعارف بالبصرة، وهما قد وعدا بتحقيق هذا الاقتراح أمام جمهور يعد بالمئات، وسأنتظر شرف الإنجاز في وعود الرجال.

قد تقولون: وهل في مصر جوائز أدبية؟

وأجيب بأن في مصر جوائز عظيمة جدا، وهي خذلان الأدباء، ولعنة الله على الزمن الذي يضطرني إلى اغتياب مصر في العراق.

أستغفر الله فقد تلقيت اليوم خطابا من كلية الآداب بالجامعة المصرية هذا نصه:

حضرة الدكتور زكي مبارك

لمناسبة مباشرة حضرة صاحب الجلالة مولانا فاروق الأول سلطته الدستورية وما قررته دار الكتب المصرية من منح هدايا لأوائل الناجحين في الدراسات النهائية للجامعة المصرية ترجو الكلية الطالب إفادتها عن اسم وعنوان من يوكله بمصر في استلام الكتب الموضحة بعاليه الخاصة به بأقرب فرصة لإرسالها إليه.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

ثم إمضاء حضرة سكرتير كلية الآداب.

والخطاب لطيف، لأنه وثيقة رسمية تشهد بأنني كنت من أوائل الناجحين في الدراسات النهائية للجامعة المصرية.

ولكن أتعرفون ما هي هذه الجائزة؟ هي نسخة من ديوان مهيار ونسخة من ديوان صر در، ولكم أن تتصوروا مبلغ فرحي بهذه الجائزة حين تعرفون أن لي أبحاثا عن أشعار هذين الشاعرين عرفها قراء مؤلفاتي منذ أكثر من عشرين سنة، فلم يبق إلا أن يمنحوني نسخة من كتاب «القراءة الرشيدة».

ولو كانت الجامعة المصرية تعرف السبيل إلى تشجيع أبنائها لسألتني عن كتاب «التصوف الإسلامي»، وهو كتاب مخطوط يقع في أكثر من ألف صفحة أنقله معي من أرض إلى أرض إلى أن يسمع بأخباره رجل منصف فيتطوع بطبعه لوجه الله والأدب قبل أن أموت، وليت حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول يسمع هذا الصوت، فمن الموجع أن يموت كتابي عن التصوف الإسلامي وفي مصر ملك يسره أن يشجع كبار المؤلفين، وقد أصبحت مؤلفا كبيرا من حيث لا أحتسب ولا أريد.

والاستنجاد بالملوك لا يغض من كرامة الرجال.

ليس في مصر جوائز أدبية، فليشرع العراق هذه الشريعة، وليكن أول قطر عربي يمنح الجوائز للمتفوقين في اللغة العربية.

وحي بغداد · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ٥٦