الأستاذ الدكتور زكي مبارك
نرجو من الأستاذ الدكتور زكي مبارك التفضل بالإجابة على الأسئلة التالية: (1) من هو الشاعر الذي تعتقدون بحق وإخلاص أنه أشعر شعراء العربية في الوقت الحاضر مع ذكر اسمه؟ (2) من هو الأديب الذي تعتقدون بحق وإخلاص أنه أحسن أدباء العربية في الوقت الحاضر مع ذكر اسمه؟ (3) ما هي الأسباب الرئيسية التي أخرت النهضة الأدبية في العراق، ثم ما هي الأسباب التي تساعد على النهضة الأدبية في العراق؟ (4) ما رأيكم الصريح في الصحافة العراقية اليومية والأسبوعية، وهل تقوم بتأدية رسالتها، وما هو السبيل إلى رقيها؟
جريدة الهدف
الفصل الرابع والثلاثون
| لكل سؤال يا بثين جواب
حضرة الأستاذ محرر الهدف
قرأت أسئلتك، وهي حيلة صحفية لطيفة، ولكن يظهر أنك تريد أن تجرني إلى ضروب من الجدل تنفع جريدتك وتضيع وقتي، كما يصنع معي الصحفيون المصريون، أراني الله وجوههم بخير وعافية.
فما رأيك إذا أجبتك إجابة قاطعة تضيع فيها حيلتك هذه المرة؟
من هو الشاعر الذي تعتقدون بحق وإخلاص أنه أشعر شعراء العربية في الوقت الحاضر مع ذكر اسمه؟
وأجيب بأن هذا السؤال يشهد بأن فيكم رجعة إلى العقيدة التي كاد يتفرد بها الشرق وهي عقيدة التوحيد، فالشرقيون كانوا أول من آمن بالوحدانية - وحدانية الله - حتى قال القائلون إن مصر سبقت أمم الشرق إلى التوحيد بفضل الملك الشاعر أخناتون.
وأنا بحمد الله أؤمن بأن الله منزه عن الشريك، ولكني أكره أن أكون «موحدا» في الآداب والفنون، فلا يسوغ في ذهني أن يقال: من هو أشعر شعراء العربية؟ ومن هو أعظم كتاب العربية؟ ومن هو أفصح خطباء العربية؟
وقد اتفق لي من قبل أن أحارب مجلة الحديث الحلبية حين زعمت وزعم بعض قرائها أن الدكتور طه حسين أكبر أديب، فقلت: إن الدكتور طه أشهر أديب وليس أكبر أديب.
وكنا في مصر نجعل شوقي أمير الشعراء، ولكنكم لو رجعتم إلى الجرائد والمجلات لرأيتم مئات المقالات في الثورة على ذلك اللقب مع ما تعرفون ويعرف العرب جميعا من عظمة شوقي.
والرأي عندي أن يقوم فريق من الناقدين بالبحث عن الشعراء المغمورين فقد تكون فيهم مواهب يقتلها الخمول، وقد اقترحت مائة مرة ومرة أن يؤلف كتاب يجمع الأطايب من الشعر الحديث في جميع الأقطار العربية على نحو ما صنع الثعالبي في القرن الرابع، ولكن يمنع من ذلك أن العصر الحاضر ليس فيه رجل واحد يملك من الإخلاص ما كان يملك الثعالبي، فأهل هذا العصر يغلب عليهم الحقد ولا يحب أحدهم خيرا لأخيه، ولا ينبغ النابغ في زماننا إلا إن كان فيه من الحيوية ما يرغم حاسديه على أن يخلوا له الطريق.
وقد اتفق مرة للدكتور عبد الوهاب عزام أن يثنى على الرافعي في مجلة الرسالة ثناء مستطابا ثم حدثني بعد ذلك أنه لقى مر العتب من بعض الأصدقاء.
ولما مات شوقي رثاه صاحب البلاغ بكلمة طيبة، ولكنه وجد من يعترض بأن شوقي لم يكن من الوفديين، ومعنى ذلك أن الخصومة السياسية قد تنقلت إلى خصومة أدبية.
هذا اقتراح أذعته في مصر ثم ضاع، فهل ترون من الخير أن أقدمه إلى أدباء العراق؟
ويسرني أن أعلن بلا موارية وبلا تكلف أن الله نجاني من هذا المرض البغيض: فما أذكر أبدا أني جحدت الحق، وربما كنت أشجع أهل هذا العصر لأني أنصف أعدائي، في زمن يضن فيه الأصدقاء بالإنصاف.
وخلاصة القول أني أنكر التوحيد في الآداب والفنون، وذهني يسيغ الحكم بأن أبا تمام في بابه أشعر من البحتري في بابه، والبحتري في بابه أشعر من أبي تمام في بابه، والمتنبي أشعر من الشريف الرضي، والشريف الرضي أشعر من المتنبي، وشوقي أعظم من حافظ، وحافظ أعظم من شوقي، والرصافي أعظم من الزهاوي، والزهاوي أعظم من الرصافي، وزكي مبارك في بابه أعظم من الجميع.
وهذا الكلام يحتاج إلى توضيح، وقد بينته في الطبعة الثانية من كتاب (الموازنة بين الشعراء).